اذا لم تدرك ادارة بوش الآن قبل الغد انها اخذت تتوحل في المستنقع الافغاني فانها لن تعرف لاحقا طريق الخلاص. وربما تكون الولايات المتحدة الآن على موعد دون ان تعي مع مرحلة يعيد فيها التاريخ نفسه كرجع صدى للتورط الامريكي في فيتنام الذي بدأ في منتصف ستينيات القرن الماضي كتدخل عسكري تأديبي قدر له بضعة شهور فامتد الى عشر سنوات تساقط خلالها ما يقارب 90 الف امريكي. وما كان للولايات المتحدة ان تتورط اصلا لو ان الرئيس جون كينيدي اخذ بنصيحة الرئيس الفرنسي شارل ديجول ـ ذلك الزعيم الاوروبي الذي كان يجيد صنع التاريخ بقدر ما كان يتقن استخلاص دروسه. حذر ديجول الرئيس الامريكي الشاب وفي ذهنه التجربة الفرنسية المريرة في فيتنام من تدخل الولايات المتحدة عسكريا في تلك البلاد والا فانها سوف تكتشف بعد فوات الاوان انها لن تعرف كيف تخرج من المستنقع الفيتنامي حتى لو ارادت. الآن وفي افغانستان لا يبدو ان ادارة بوش، وقد استبدت بها نشوة الانتصار العارمة بعد سقوط كابول منذ اكثر من شهر ونصف الشهر، علي استعداد للاستماع الى نصح حتى لو قيض الله لها ديجولا جديدا، ولذا فان بوش لا يعي ان اصوات التذمر الافغانية ضد الوجود العسكري الامريكي اخذت تعلو. مؤشرات التذمر حتى الآن تبدو طفيفة لكنها تنبيء بخطر عظيم لو اهملت وهناك مصدران للتذمر: الحكومة المؤقتة في كابول والوسط القبلي في جميع انحاء الجنوب الافغاني خاصة بين رؤساء قبائل قومية البشتون. من يحكم افغانستان الحكومة الائتلافية ام جنرالات القوة العسكرية الامريكية؟ والى متى تبقى هذه القوة على الاراضي الافغانية؟ وما هي مهمتها وحدود هذه المهمة؟ هذا هو نوع الاسئلة التي يغتنم بعض وزراء الحكومة اي فرصة يرونها ملائمة لطرحها بطريقة غير مباشرة، فمع وجود قوات امريكية تتحرك داخل الاراضي الافغانية؟ وفقا لتعليمات جنرالاتها فحسب فان الوزراء الافغانيين يرون في هذا الوضع ازدواجية حكم يجب ان توضع لها نهاية. والتذمر الحكومي الافغاني ناشيء في الحقيقة عن تعارض بين الاولويات الامريكية واولويات الحكومة الافغانية فبينما ترى ادارة بوش ان الاولوية العليا هي مواصلة البحث عن بن لادن والطاقم القيادي لتنظيم «القاعدة» واصطياد الكوادر القيادية لحركة طالبان، فان قادة الحكومة الافغانية يرون ان مهمة التدخل العسكري الامريكي انتهت بعد ان تمت الاطاحة بنظام طالبان وتشتيت تنظيم «القاعدة» فلم يعد هناك بالتالي مبرر لبقاء الوجود العسكري الامريكي. اما زعماء القبائل في الجنوب فانه لم يعد بوسعهم السكوت وهم يرون هيبتهم تتآكل في نظر قواعدهم الشعبية مع استمرار القصف الجوي الامريكي العشوائي للقرى. فخلال ايام راح ضحية الغارات الامريكية 65 من وجهاء القبائل و 25 مدنيا لحق بهم 15 آخرين واذا كانت واشنطن تبرر هذه العمليات الجوية بأنها موجهة الى مناطق يشتبه ان عناصر من طالبان والقاعدة مختبئون فيها فانه لم يكن من بين كل الضحايا اي من هذه العناصر، كلهم كانوا مدنيين ابرياء. والتذمر يتصاعد ونطاقه يتسع يوما بعد يوم .. وواشنطن لا تقابله الا بالمزيد من الاستخفاف. واذا كان هذا التذمر العام لم يترجم حتى الآن الا باحتجاجات صوتية فان على ادارة بوش ان تستذكر ان الامور في افغانستان تحسب عند نهاية المطاف باشهار السلاح الناري. ولا يبدو اي مؤشر بأن جورج بوش في تعامله مع المشهد الافغاني سوف يكون مختلفا عن سلفه جون كينيدي في تعامله مع المشهد الفيتنامي.