قبيل بدء ما يسمى بمفاوضات الوضع النهائي لقضية فلسطين، تصاعدت دعوة من ينسبون أنفسهم للواقعية السياسية الى توطين اللاجئين الفلسطينيين حيث يقيمون وكذا في بلاد أخرى لديها استعدادا لاستقبالهم ومنحهم مواطنتها. وتحت شعارات مغرية كالطهرية السياسية والشفافية والديمقراطية، نادى نفر من هؤلاء بضرورة مصارحة اللاجئين باستحالة تطبيق حق العودة الى فلسطين، لاسيما المناطق الخاضعة منها لاسرائيل منذ 1948. وذهبوا الى أن الاستمرار في الهاب آمال اللاجئين في العودة الى مساقط الرؤوس في الموطن التاريخي، عمل يندرج في سلوك الخديعة وبيع الوهم. وعلى سبيل الدفاع والمحاججة عن هذا الموقف طرحت مزاعم كثيرة، بعضها قديم قدم القضية كعدم مسئولية اسرائيل عن النزوح الفلسطيني من الأصل، وغياب معالم الوطن الفلسطيني الأم بفعل تقادم الزمن واجراءات الهدم والبناء التي أحدثها المستوطنون الصهاينة، والاحتمال المؤكد لتقويض الدولة اليهودية تحت عبء التفوق السكاني الذي يعنيه عودة اللاجئين الى ديارهم داخلها.. وهي ذرائع باتت معلومة لدى فقه القضية، وسبق تفنيدها ودحضها تاريخيا وقانونيا على نحو ممتاز. لكن أصحاب الواقعية راحوا يدفعون بحجج أخرى مستحدثة تماما، تقوم على فهم خاص بهم لتطورات العصر وما تفترضه من وجهة نظرهم، من أساليب ومداخل جديدة لمعالجة القضية، بما يجعل مبدأ التوطين مقبولا ومسايرا لمسار التاريخ. أبرز هذه الحجج تلك التي ترى أن تجليات العولمة ماضية الى تفريغ مفهوم المواطنة، بمعنى الارتباط بوطن محدد، من محتواه التقليدي لقد سرعت العولمة بالتواصل بين الناس، متخطية الحدود بكل مضامينها الاقتصادية، وهي في طريقها المحتوم الى تسخيف بعض الروابط السياسية وكثير من مظاهر الانتماء الجغرافي والثقافي. وبهذه المستجدات ونحوها، لا يصبح هناك مغزى كبير للتشبث بالحنين الأبدي بوطن أو ثقافة أو تواصل مستمر مع مجتمع بعينه، بمعزل عن المصالح المنظورة اقتصاديا بالذات، واجتماعيا وسياسيا بعامة! ولأن اللاجئين الفلسطينيين لا يعيشون خارج التاريخ، فلماذا يتعين عليهم معاكسة هذا المسار، ويحرصون على التعلق بموطنهم الأم ونمط حياتهم الذي أضحى بعيدا عن متناول ارادتهم؟!. يتساءل الواقعيون بافراط. بل إن واحدا منهم وصف المواطنة في هذا العصر ومقتبل الأيام بأنها كالحذاء الذي يمكن استبداله بسهولة اذا تهرأ. وبناء على هذا التقدير الصوري الغريب، لم يجد حرجا في الترويج لدعوى توطين اللاجئين في كندا والولايات المتحدة. وكل الدول التي تبدي استعدادا لمنحهم مواطنة وفرصا جديدة للحياة. واستكمالا لعملية شد الوثاق حول عنق العودة الفلسطينية، فقد تولى البعض، مثل دونا أرزت الأمريكية المتصهينة، صياغة برامج تفصيلية لكيفية توزيع اللاجئين على مواطنهم البديلة. وظهر أن الدول الغربية الأكثر تداولا في فقه اللاعودة، كالولايات المتحدة. وكندا وبلاد شمال أوروبا، متواطئة فعليا في هذا الأمر. ولا تتصور هذه البرامج وجود صعوبات في تحويل اللاجئين في العالم العربي الى مواطنين لأنهم سيكونون عربا بين عرب، اين المشكلة؟ ولكن ما علاقة هذا المنظور الفكري ومنتجاته، الحركية (مشروعات التوطين) بأحداث الحادي عشر من سبتمبر وتوابعها في الولايات المتحدة وعالم الغرب؟! الصلة تتأتى في تقديرنا من دور هذه الأحداث والتوابع في فضح زيف سهولة استقبال اللاجئين في العوالم الأخرى، الغربية منها بالذات، تحت شعار ضعف مفهوم المواطنة والانتماءات الوطنية والقومية الأم لقد ثبت بالبراهين القاطعة أن المواطنة ليست كالحذاء المهترئ أو السليم. بفعل 11 سبتمبر وتداعياته الاجتماعية والسياسية والثقافية اتضح أن الانكماش الى الأصول القومية بأبعادها المختلفة، بما فيها البعد الديني، مسألة جائزة وسريعة الحصول، حتى في أعتى الدول الديمقراطية الغربية. باتت الفتنة المستندة الى الفرز الإثني والقومي والديني ظاهرة شبه عامة هناك وقد تعرض مواطنون اقحاح، مضت على استيطانهم في تلك البلاد عقود كثيرة، لأنماط من العسف والمساءلة بالقانون وبغيره، لمجرد أنهم يعودون بأصولهم الى دوائر حضارية أخرى غير الدائرة الغربية، وفي سياق هذا الاهتياج الشامل، نال العرب والمسلمون قسطا زائدا من الملاحقة والتشويه. والخوف. كأن العولمة التي ينطلق منها المرجفون تجاه حق العودة الفلسطيني، لم تطأ بعد جوانب من حياة الأمم والشعوب، في الغرب كما في الجنوب والشرق. ونعرف الآن أن أزمة ما بعد 11 سبتمبر أكرهت قطاعات مشرقية، عربية ومسلمة، من طلبة العلم والسياح والمستثمرين والساعين لفرص عمل أو ترقي اقتصادية وحتى من الباحثين عن دفء الحريات السياسية المظنون بوجودها في عالم الغرب، على العودة الى أوطانهم، تحت وطأة الضغوط متعددة الأشكال التي تعرضوا لها. فكيف تستقيم في أجواء كهذه، قابلة للتفاقم، الدعوة الى توطين اللاجئين الفلسطينيين هناك؟ ألا تستدعي هذه الحقائق التي تبدت على ضفاف الأزمة، أن يعيد أنصار اللاعودة الفلسطينية النظر في أطروحتهم جديا؟ على إننا لو اقتنعنا جدلا بصحة هذه الأطروحة، أليس من الأجدى والأجدر لأصحابها وللعاملين على استتباب السلم في الشرق الأوسط وفلسطين، أن يتم توجيهها الى الصهيونية العالمية واسرائيل؟. فطالما أن العولمة تجب المواطنة، فما الداعي لاستجلاب يهود العالم نحو الدولة اليهودية بذريعة أن مواطنتهم الصحيحة لا تتم إلا فيها؟. علما بأن اليهود لا يعانون من حالة لجوء مهين ولا من نقص في حقوق المواطنة في بلادهم الأم إن أطروحة توطين اللاجئين خارج فلسطين لا تتنافى وشرعة حقوق الانسان فقط، ولكنها مغايرة ومناقضة للمسار الحقيقي للتاريخ، والطبيعة الانسانية الحقة، شأنها في ذلك شأن الحركة الصهيونية وكيانها السياسي. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة