من الأحداث الكبرى على الصعيد العالمي التي غيبتها أحداث الثلاثاء الأسود الحادي عشر من سبتمبر، هذا الحدث الجسيم الذي هو بصدد الوقوع خلال هذه الساعات التي تقرأ فيها مقالي المتواضع أيها القاريء الكريم، وهذا الحدث كاد يمر بسلام أي بدون كلام، لولا ندوة اقتصادية انعقدت بدولة الامارات وأخرى مصرفية انعقدت بدولة قطر وثالثة فنية مالية نظمتها مصارف سلطنة عمان، وما عدا ذلك فيما اتيح لي من أخبار، لم يستقطب هذا الحدث اهتمام الاقتصاديين العرب والمصرفية العربية شئنا أم أبينا. وبالطبع أنا أتكلم عن دول العملة الاوروبية المشتركة (اليورو) بقوة يوم الأول من يناير المقبل لتعويض اثنتي عشرة عملة أوروبية كان لها تاريخ وكان لها تقاليد وكان لها حضور، مثل المارك الألماني والفرنك الفرنسي والليرة الايطالية والبيزة الاسبانية... كل هذه الصروح المالية المنغرسة في حضارة الشعوب الاوروبية انهارت يوم الثلاثاء الأول من يناير 2002، وكان لانهيارها دويّ هائل في فضائيات أوروبا وصحفها ومجلاتها وفي أروقة بورصاتها ومصارفها وحتى.. على لسان المونولوجست الفرنسي المشهور ألن روكيي الذي يسلي الجمهور الفرنسي كل مساء في برنامجه اليومي «لقد جربنا كل شيء». حلم الدينار! ولعل تاريخ تسلسل الاتحاد الاوروبي منذ عام 1945 الى اليوم، أي من الحرب الرهيبة ذات العشرين مليون ضحية الى يوم اعلان العملة الموحدة، يدعونا نحن العرب ـ وبخاصة نحن ـ الى الاعتبار وإعمال العقل وشحذ البصيرة لما أُلنا اليه وما آلت اليه أوروبا.. ولما وقعنا فيه من فرقة وتنافر وما نجت منه اوروبا على مدى نصف القرن التالي. وإني أذكر ذلك العدد الخاص من مجلة الهلال المصرية الصادر عام 1946 والذي بشّر العرب بعملة عربية موحدة هي الدينار العربي لكي تكون العصب الحي لسوق عربية مشتركة. وقد دعا المرحوم طيب الذكر عبدالرحمن عزام باشا أول أمين عام لجامعة الدول العربية الى اجتماع وزراء اقتصاد ورجال مصارف من الممالك العربية في ذلك العهد لرسم ملامح حلم الدينار العربي المشترك. ومع الأيام استطاعت دول اوروبا تحقيق يقظتها من رقدة العدم كما يقول شاعرنا أبوالقاسم الشابي، بينما دخل العرب في رقدة أهل الكهف. وتدرجت شعوب اوروبا من العداء المستفحل وتصفية الحسابات وتنفيذ الأحقاد عام 1945 الى لقاء زعمائها التاريخيين الجنرال شارل ديجول رئيس فرنسا وكونرال اديناور رئيس المانيا التي كانت تسمى الاتحادية أو الغربية قبل اتحاد القسمين واجتماع الشعب الالماني الواحد عام 1989. وبدأ البناء الاوروبي على أسس الحديد والصلب بين فرنسا وألمانيا، أي على أساس متين من التكامل والتنسيق، ثم تكفلت الديمقراطيات الاوروبية بالباقي حيث عبأت الحكومات شعوبها وتشكل رأي عام أوروبي موحد، وذلك بالرغم من اختلاف اللغات والمذاهب الدينية وحواجز التاريخ المشحون بالكراهية والحروب وتنافر القوميات ـ وبخاصة الالمانية المتسلطة ـ وتناحر الايديولوجيات ومنها الآرية الألمانية والاطلسية البريطانية واللاتينية الايطالية والجولية الفرنسية (نسبة لأصولهم الجولية) والامبريالية النمساوية (نسبة للامبراطورية النمساوية المجرية)، الى آخر هذه الانتماءات القومية التي انعكست على عملات هذه الدول وهي تحمل على أوراقها البنكنوت رمز ومفاخر تلك القوميات التاريخية أو الاسطورية والتي انعكست كذلك على حياتهم الاجتماعية وعلاقتهم الاسرية وآدابهم وأشعارهم وملامحهم وحتى الحكايات التي ينام عليه أطفالهم على مر العصور. سقوط الاهرامات كل هذه الاهرامات من العملات سقطت وتهاوت صباح الثلاثاء أول يناير ليحل محلها أبوالهول اليورو شامخا مزهوا يغطي اثنتي عشرة دولة وتتداوله أيدي وجيوب مئتي مليون مواطن اوروبي، وسبق ان فتحت حدود دولهم فيما يسمى «فضاء شنجن» وهبت عليهم نسائم الوحدة والحريات والقوة الاقتصادية والبصيرة الاستراتيجية والوقوف باعتدال وثقة أمام العملاق الامريكي. ولعل ما يلخص موقف واشنطن هو عنوان العدد الأخير من مجلة «تايم» حول الموضوع الذي يقول: «الدولار يرحب بشقيقه اليورو» وهو ترحيب في الحقيقة يشوبه خوف من هذا المنافس الخطير، كما ان الندوة الاقتصادية التي انعقدت في دولة الامارات أشارت الى تأثير كبير لليورو على تغيير وجهة جانب هام من الاستثمارات العربية نحو الاتحاد الاوروبي. فأمريكا لا تنظر بعين الارتياح لهذا القادم القوي بعد ان كان الدولار على مدى خمسين عاما هو الأقوى وهو المرجع وهو الميزان مهما اعتراه من هزات. أنا لا أنكر ان هذا الزمن العربي الصعب الذي صدر فيه اليورو وهو زمن الدم والهم كما سماه الشاعر سميح القاسم، وأنا أسمّيه زمن البأساء والضراء والزلزال كما جاء في الآية 214 من سورة البقرة. أعترف وأعرف بأن الأحداث المزلزلة التي تهز الضمائر العربية والمصارف العربية هي أحداث استثنائية عنيفة، وانه من الصعب ايجاد لحظة تفكير وتركيز على عملية اعتماد اليورو، لكن مهمة الحكومات العربية وجامعة الدول العربية ـ حتى لو تأخر التفكير ـ ان تجمع مؤتمرا اقتصاديا وماليا قوميا يدرس بعمق ما نتوقعه من تأثيرات وتداعيات هذا الحدث الجلل، وذلك على اقتصاداتنا ومبادلاتنا ومعاييرنا وعلاقاتنا بالدولار، وودائعنا واستثماراتنا في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الاورروبي... وما سيترتب عن اليورو من ضرورة تنسيق جهودنا العربية المتنافرة لنتقدم للاتحاد الأوروبي ككتلة عربية موحدة في حدود الامكان. وربما إذا وجدنا الوقت الكافي وصفاء الذهن الكافي، نتطرق الى احياء فكرة الدينار العربي الموحد وننفض عنها غبار خمسين عاماً ونستعيد عقلية الآباء المؤسسين لجامعة الدول العربية ونلبس طربوش عبدالرحمن عزام باشا، لنحاول دخول دائرة التاريخ والعقل والانجاز، في هذه العولمة التي عندي شعور اننا مطرودون منها. ـ أستاذ في قسم الإعلام ـ جامعة قطر