عندما تصل هذه الكلمات الى القاريء ستوافق مطلع السنة الميلادية الجديدة، كما سيكون اليوم الاول بعد انفضاض اجتماع القمة الثانية والعشرين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في العاصمة العمانية مسقط، وبعد معرفة الامين العام الجديد لمجلس التعاون الذي سيحمل على كاهله مهمة متابعة اعمال المجلس للسنة المقبلة، وهي السنة الاكثر حسما في عمر المجلس. كل ذلك من سنن الحياة في التغيير، والاختلاف هذه المرة يتمثل في ان القمة وما يليها تقع هذا العام في قلب تداعيات الثلث الاخير من العام المنصرم، وخاصة احداث الحادي عشر من سبتمبر، وما جرّه على العالم ـ وعلى منطقة الخليج بالطبع ـ من آثار اقتصادية واستراتيجية وسياسية كبرى، ربما عرفنا بدايتها ولكن احد لا يعرف كيف ستكون نهايتها! ولان دول الخليج العربية معنية بذلك الامر لاسباب عدة، منها ما هو بيّن وظاهر على السطح، ومنها ما هو خفي يتوارى خلف العناوين الكبيرة او زيارات المجاملة فإن التداعيات الدولية والاقليمية لتلك الاحداث تندرج كلها تحت عنوان واحد، هو ان منطقة الخليج تقف على ابواب الحداثة مترددة بين الاقدام والوقوف في المحل، ولعل هناك اربعة من المحاور الاساسية تظهر في هذا الموضوع ويتعين بحثها: الاول: ان العلاقة الاستراتيجية التي تجمع بين دول الخليج والولايات المتحدة «وهي هدف ضربة الحادي عشر من سبتمبر ورأس الحربة في الاستجابة لتلك الضربة» هي بالقطع علاقة الحليف الاستراتيجي، وتحمل وراءها تاريخا طويلا يتشعب بين الاقتصاد والسياسي والعسكري، وهذه العلاقة بذاتها تسبب غموضا ولغطا يصبان في بؤرة «المراوحة» الخليجية التي نتحدث عنها. ترميم الجسور وكانت استجابة مجلس التعاون ككل تجاه ماحدث في الحادي عشر من سبتمبر استجابة تفتقد الوضوح، ان لم نقل الحماس، ولقد فوتت دول المجلس على نفسها فرصة استثمار الحدث في تبوؤ موقع خاص تجاه الولايات المتحدة بسبب القراءة غير الواضحة لمدى الاضرار النفسية التي حاقت بالحليف الكبير، واقصد هنا درجة الحساسية لما حدث ونوع الاستجابة وتوقيتها، ولا اقصد بالطبع مبدأ التعاطف الذي كان واضحا بما فيه الكفاية في اللقاءات الثنائية والتصريحات الرسمية. ما يفتقده المجلس ككيان موحد هو تحقيق مكان خاص في الخطوات الاولى للحملة على الارهاب، فلقد كان البعض متلكئا على الاقل في الساحة الاعلامية تجاه ماحدث، وكان البعض الاخر مترددا في الاستجابة فيما كان البعض الثالث مرتبكا امام الاحداث، وافتقد الجميع المبادرة الجماعية السريعة، في الوقت الذي كانت فيه الرسالة واضحة في تلك العملية الارهابية الكبرى، التي ان كانت استهدفت برجي التجارة العالمية في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع في واشنطن، فإن قراءتها في صورة اعمق تشير الى ان الضربة موجهة بشكل غير مباشر وعلى المستوى السياسي لدول الخليج، مستهدفة استقرارها وقاعدتها الانسانية والسياسية. مجيء الاستجابة الخليجية في صورة تخالف المرتجى لها، من حيث الوقت المناسب والمضمون الفعال والجماعية التي تظهر الدول الخليجية كيانا موحدا، قلل من فرصة الاستفادة الحقيقية في الحصول على موقع متقدم في التحالف الدولي ضد الارهاب، وقد اتاح هذا الغموض في الموقف، بعد ذلك، لقوى التشكيك ان تستفيد من الفترة الزمنية القلقة فسعت الى وضع الكثير من العصي في دولاب التعاون الاستراتيجي بين دول الخليج والولايات المتحدة ولم تفوّت وسائل الاعلام الغربية الفرصة، فاستغلتها بكثافة لصب النار على زيت القلق والتوجسس في صفوف المواطنين الامريكيين العاديين لتجني ثماره تباعدا او برودا، بل مضت الى ما هو أبعد بتحميل بعض دول المجلس تبعة المشكلة كلها وتعميم نموذج فردي مما يمكن ان يكون وجوده طبيعيا في مجتمعات اخرى ـ على مجتمعات الخليج بأكملها وكأنها مجتمع من المتطرفين! اول ما يقال في هذا الامر اليوم هو ان المجلس كوحدة سياسية، مطالب بترميم الجسور التي تأثرت بسبب الموقف الخليجي من الاحداث، فأثرت بدورها في العلاقة الاستراتيجية بين الخليج والولايات المتحدة، مع ضرورة تحديد نوعية هذه العلاقة وحدودها، وفي أي القطاعات هي مطلوبة، وما أولوياتها ومبادئها ومحاورها كذلك يتعين الدخول في محاولة جادة للفهم والتفهم على نطاق واسع بين دول الخليج والولايات المتحدة، في القطاعين الشعبي والرسمي، وهو امر يتطلب ان ترسم خطواته الامانة العامة للمجلس، ثم نتابع تنفيذه. متغيرات واستحقاقات المحور الثاني هو الساحة الداخلية، في الخليج نفسه، وهي تمر بعدد من المتغيرات، منها السياسي ومنها الاقتصادي ومنها الثقافي، فمن الواضح ان شئون الساحة الداخلية بدأت تفرض نفسها على الجميع، بسبب انعاكساتها على الساحة الخارجية، وايضا بسبب استحقاقات يرى البعض انه آن أوانها، وبدأ تطبيقها بالفعل، فهناك انتخابات لمجالس بلدية، كما يعد لانتخابات وطنية عامة في بعض دول الخليج، وبدأت المرأة، نصف المجتمع وأم الجيل القادم، تشارك بما يجدر بها المساهمة به في مجالات التنمية التي تواجه عددا من الصعاب، حيث تزداد البطالة، وخاصة بطالة المتعلمين، وتقل فرص العمل، ويجري النشاط الثقافي والبرامج التعليمية في بعض صورها على غير اتجاه التحديث «مع ضرورة التفرقة بين المفهوم الاخير ومفهوم التغريب حتى لا يخلط احد بينهما». فالساحة الداخلية في دول مجلس التعاون تحتاج الى اعادة نظر في اكثر من زاوية، والى جملة اصلاحات مستحقة ومتراكمة تضمنتها التوصيات الكثيرة من الاجهزة المختصة او من الجهاز الاستشاري المتمثل لدول المجلس، انه عصر ينطبق عليه عنوان «عصر الفطام عن النفط» فمسئولية الدولة عن التوظيف والمرتبات المرتفعة وعدم وجود ضرائب، وغيرها من المظاهر الكثيرة التي واكبت عصر النفط، والتي تكاد، ان استمرت، تنشيء ارضية خصبة لعدم الاستقرار ومن هنا وجب النظر بجدية الى ما اصبحت الضرورة تقتضيه، واقصد به «الفطام على النفط»! باب التعاون المحور الثالث هو المحور الاقليمي، فسيظل العراق من جهة وما يمثله من عبء سياسي واستراتيجي واستنزاف انساني، وما تمثله ايران من جهة اخرى من فرص، سيظلان اهم محورين اقليميين مباشرين في المنطقة، ومازالت العلاقة معهما مضطربة وغير محددة تحديدا استراتيجيا يتجاوز العاطفة، ويؤهل مجلس التعاون لادارة العلاقة بينه وبين كل منهما على مدى طويل، ومن خلف هذين البلدين يقبع موضوع فلسطين الذي استنزف ولايزال يستنزف طاقات عربية، ومن بينها بالطبع طاقات خليجية، وايضا من دون ادارة هذا الاشكال المزمن، بطريقة موضوعية تبتعد عن العاطفة، وتتعامل بلغة الواقع، خاصة ان هذا الصراع يشكل احدى بؤر الاضطراب والتأثير. ولعل المحور الرابع هو ان بعضا من المشكلات التي ألمحنا اليها في السابق يمكن حلها او المساعدة على حلها في اطار عمل او اعمال جماعية، ولعل الواضح هنا والممكن العمل فيه بنجاح نسبي هو القطاع الاقتصادي بكل روافده، وهو امر جرت المرواحة حوله جماعيا، وترددت في تطبيقه اوتطبيق اهم مساراته، ولقد اصبح اليوم امرا ملحا وغير قابل للتآخير والارجاء، فعلى الرغم من الوعي بأن المقارنة ربما لاتكون موضوعية بين دول الخليج وبلاد اخرى، لا يسع المتابع الا ملاحظة ان اوروبا ذات اللغات السبع والاحدى عشرة دولة وذات الثقافات المختلفة والاقتصاد الصناعي الضخم والكثيف، تدخل يومنا هذا الاول من يناير 2002 وهي موحدة العملة في ما يبشر بالاداء الاقتصادي الكبير الذي يشكل مدخلا حقيقيا للتنمية. باب التعاون هو اهم الابواب للتغلب على بعض المشكلات العالقة في بعض دول الخليج فالقانون الاقتصادي يقول لنا من دون ريب او لبس ان «السوق الكبيرة، افضل من السوق الصغيرة» ومن دون معرفة بأهمية التفاوض الجماعي نخسر قبل ان تبدأ فكرة التعاون التي تدخل هذا العام في سنتها العشرين! أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت