الإسلام الحضاري عاش في الأندلس أي في أوروبا ثمانية قرون ولم يسمع عنه برمته غير الخير من قبل الشعوب الأوروبية التي درست في الجامعات الإسلامية آنذاك، ومن أراد الجواب العُجاب فليعد إلى الأدبيات الأجنبية التي نشرت عن تلك الحقبة الطويلة من عمر الإسلام الحضاري. لم يعش الإسلام صداماً حضارياً مع الآخر، حتى وهو في أضعف مراحله ونعي به النشأة الأولى والتي كانت الغلبة الحضارية للفرس والروم، ومع ذلك كان هناك تلاحم وتلاقح في الأفكار والأعمال المشتركة. والتاريخ بكل محتوياته فيه الكثير من المفارقات التي قد تحدث أزمات حادة في حياة البشر وعلى رأسها الحروب بين الدول وهي تختلف عن حروب الثقافات أو الحضارات لأنها تدمر كل شيء بإذن القوى العظمى في كل فترة تاريخية على حدة وإن وصمت بالإسلامية. لقد كانت أشرس فترة مرت على العالم الإسلامي هي الحروب الصليبية التي أوقفت بعد تحرير القدس على يد صلاح الدين العربي أو الكردي، فالأمر سيان لأن العبرة بالنتائج وليس بغلبة القوميات. ولقد تخللت هذه الحروب تصرفات حضارية رائعة من جانب المسلمين تجاه الغزاة الغربيين المتعصبين بدوافع بعيدة تماماً عن الدين، لأن لغة الاستعمار المباشر كانت أوضح من نشر الديانة النصرانية في المنطقة. الطبيب الخاص لصلاح الدين يعالج عدوه اللدود ريتشارد قلب الأسد، وأسامة بن منقذ ينشر التعليمات الصحية في أوساط الغربيين الذين لم يتعلموا أسس النظافة العامة إلا من المسلمين. هكذا يمكن للمهتم تتبع التفاصيل الدقيقة في أماكنها. فكل تلك الحروب التي أشعلت لم يكن للحضارة صوت فيها ولا صورة لأنها خاوية من هذه الترنيمة الإنسانية، فمتى كان للغة الحرب في القديم والجديد شيء اسمه حضارة أو قامت انتصاراً لحضارة ما على حساب أخرى، فالصراع هنا يقوي شوكة المصلحة الضيقة، لأن الحضارة بمفهومها العام أسمى من النزول إلى هذا الدرك الأسفل. فالصراعات التي تدار وتقود العالم المعاصر من قبل القوى العظمى والأحادية ليست حضارية ولا يراد منها انتشار حضارة تلك القوة، لأن الحروب لم تكن يوماً سبباً في نشر حضارة بقدر المساهمة في إطفاء كل رمز للحضارة سواء كانت أوروبية أو عربية أو إسلامية. فكل الحضارات البشرية قامت على الانتقال السلمي لوسائلها الحديثة والمتجددة، فاليوم يعد الانترنت وسيلة حضارية يخترق من خلالها خصوصيات الشعوب والأمم ومع ذلك لم تنشر عن طريق الحروب الالكترونية التي تُدار عبر الصواريخ الحارقة، بل بالعلم المسالم والقبول الايجابي والتفكير الراقي والمهذب بكل قيمه من نمو عقلاني سليم، وبغير ذلك لا ينتصر غير العنف والإرهاب. وفي العالم الواعي بمتطلبات الحضارة الأهلية تنهزم كل موجات الخوف من التعامل مع الإسلام الحضاري. E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae