هذا هو اليوم الأول في العام الجديد، وباعتبار ما جرت عليه العادة الشائعة بين عموم الناس، فانه يتوجب علينا أن نستبشر واياكم به، وأن نهنئ أنفسنا والجميع متمنين من أعماق قلوبنا وبكل الصدق أن تكون الأيام المقبلة أكثر اطمئنانا لقلوبنا، وسعادة لأرواحنا، وأن نرتدي الفرح أثواباً، صباحاً ومساء.. فكل عام وأنتم بخير، نقولها مع ملايين البشر الذين يتمنون الخير للجميع بصدق وشفافية. هذا هو اليوم الأول في العام الجديد، عام آخر تسلخه البشرية من عمرها، ناظرة للأمام، ومتناسية الأمس قدر استطاعتها، لأنها تتمنى أن يكون الأمام قفزا صوب الأفضل، لكن الحقيقة تقتضي أن تنظر للخلف أكثر لأنه الأساس لكل ما سيأتي، وتجاهله لا يؤسس لغد أفضل بقدر ما يكرر أخطاء الماضي بطريقة (طبق الأصل) أحياناً!! الأغنياء والنجوم والعشاق وجموع المراهقين، وملايين الشباب في أرجاء الدنيا احتفلوا بآخر يوم في العام، كل على طريقته، وليس شرطاً أن يكون الاحتفال بدعوات العشاء الفاخرة وتبادل الهدايا الخيالية، وصدقوني فحتى العشاق ما عادوا يحتفلون كسابقيهم على ضوء الشموع، وأنغام الموسيقى، وقصائد الحب الرومانسية، فإن كان بعضهم يفعل ذلك، فهنيئا لهم وليحفظ الله قلوبهم بسلام وطمأنينة. جردة العام الذي ودّعنا، ستتكفل بها وكالات الأنباء والأخبار ووسائل الاعلام فهذه مهمتها بلا شك، أما جردة العمر والأيام التي تسربت من بين أصابعنا فهذه مهمتنا نحن تجاه لحظات الزمن المحسوب علينا، لأنه الزمن الذي اذا ذهب لا يعود أبداً حتى قيام الساعة. يهمنا كثيرا ـ من باب المعرفة فقط ـ أن نتابع جردة الأحداث والشخصيات التي أثرت في مجريات العام الذي انقضى في تمام الساعة الثانية عشرة من مساء ليلة أمس. لكن يهمنا وبشغف أن نتابع تأثير ذلك كله على حياتنا ومستقبلنا وسلامنا وأمننا، فما من حدث اليوم الا وينعكس علينا، دون أن تكون لنا يد أو أصبع حتى، في اختلاقه أو كتابته أو حدوثه، لكننا نحن شعوب العالم المفعول بها دائماً، قدرنا ان نستقبل ما يحدث وما يحاك وما يدبر في الخفاء، دون أمل في منعه أو تأجيله أو تغيير مساره! على أرض فقراء العالم تحدث أشرس الحروب لأن ساستهم يريدون ذلك حفاظاً على المصالح والتوازنات، وعلى أرضهم تنتشر أساطير الفقر والمرض، وكل انتهاكات حقوق الانسان، ومع ذلك يمضي العالم سادراً في غيّ حروبه وارهابه وقنابله وتهديداته النووية، متحصناً بالترسانات والناقلات العملاقة وغزو الفضاء، لكنه في آخر يوم من العام، يتجاهل رذائله ووقاحة عام كامل ليقف الساسة الكبار العظام فيه أمام ميكرفونات وسائل الاعلام العالمية، يزفون التهاني والتبريكات ودعوات السلام، و(هابي نيو يير!!) ثم يذهبون الى سهراتهم وكأنهم تطهروا بهذه العبارة من آثام عام كامل! بين بسطائنا وأهلنا تمضي الأيام بعاديتها المعتادة، بين مطالب البيت، ومشاكل الأزواج، وصراخ الأطفال، وخلافات الجيران، وسهرات برامج التلفزيون المملة، ولقاءات الأصحاب الحلوة، وسوالف من هنا وهناك بين الجارات عبر الهواتف ومئات الرسائل الالكترونية عبر الجوال والمتحرك! مضى هذا العام، فهل تحقق ما تمنيناه عندما انتهى العام الماضي؟ اذا كان فجميل جداً، وما علينا سوى ان نبتسم برضا، واذا لم يكن، فلنحاول مرة أخرى، دون ان نعلق اخفاق أمنياتنا على صراعات السياسة وحرب الارهاب، واسامة بن لادن، و11 سبتمبر، والانتفاضة، وتخاذل الموقف العربي والبيروقراطية في الادارة العربية! لنحاول مرة أخرى، فالحياة أجمل من كل نشرات الأخبار المزعجة، وأن أجمل احتفال يمكن قضاؤه في آخر يوم من أيام العام هو باغلاق أجهزة الاعلام والصحف والاذاعات ووكالات الأنباء، ليرتاح الناس من هموم الحروب والمآسي، وصور الفظاعات التي يتعرض لها الفقراء والمساكين والمغلوبون على أمرهم! أخيراً ودائماً.. كل عام والجميع بخير وأيامكم أحلى دائماً. aishasultan@hotmail.com