في كتابه «عبدالناصر والعالم» يقول محمد حسنين هيكل ان الولايات المتحدة كانت تدعم بقوة مطالبة ابطال ثورة 23 يوليو بتصفية النفوذ الاستعماري البريطاني في مصر لكي تستبدله بسيطرة امريكية من نوع الاستعمار الحديث، وقد رأينا بالفعل كيف وقع صدام عنيف بين الثورة وامريكا عندما كشفت واشنطن نواياها الحقيقية بعد خمس سنوات من قيام الثورة وسنة واحدة من الانتصار المصري الفاصل على بريطانيا في حرب السويس عام 1956. غير ان مصر لم تكن الحالة الوحيدة من نوعها فيما يتعلق بالنفاق الامريكي في ذلك الحين، اي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية حين اخذ الوهن يدب في اوصال الامبراطوريات الاستعمارية الاوروبية التقليدية، لغرض استبدال استعمار قديم باستعمار حديث ضغطت الولايات المتحدة على بريطانيا لحثها على الخروج من الهند عند اواخر اربعينيات القرن الماضي وعلى فرنسا لمغادرة فيتنام في منتصف الخمسينيات. في هذا الاطار تدخل ايضا قصة السودان الذي يحتفل هذه الايام بالذكرى السادسة والاربعين لنيله الاستقلال في اول يناير 1956. فقد لعبت الولايات المتحدة دوراً محوريا بدوافع استعمارية في الملابسات التي قادت الى استقلال السودان. غير ان الفصل الاولى للرواية تمثل في قيام ثورة 23 يوليو عام 1952 وانعكاس هذا الحدث الزلزال على اوضاع السودان ومصيره. من حيث الاولوية القصوى كان على اجندة الثورة قضيتان: الاحتلال العسكري البريطاني في منطقة قناة السويس ومستقبل الجزء الجنوبي لوادي النيل، اي السودان، وكانت القضيتان مرتبطتين عضويا ببعضهما البعض، فزعيم الثورة، جمال عبدالناصر، كان يدرك تماما انه حتى لو نجح النظام الثوري الجديد في تصفية الاحتلال البريطاني في مصر فلن يكون ذلك إلا نجاحا زائفا طالما بقي الوجود البريطاني الى الجنوب في السودان كقوة حاكمة استعمارية.. سوف يظل ظهر مصر مكشوفا، وكان على عبدالناصر اذن ان يضمن اولا ابرام اتفاق مع بريطانيا تقبل بموجبه الجلاء عن السودان. ولكن ماذا تربح بريطانيا من مصر بحسابات المصالح الحيوية في مقابل هذا التنازل الضخم؟ لقد دخلت الولايات المتحدة على الخط، وبأجندتها الخفية الهادفة الى اقصاء النفوذ البريطاني عن مصر والسودان معا ولاحلال سيطرة امريكية بديلا عنه فرضت واشنطن نفسها كوسيط بين لندن وعبدالناصر، وكانت النتيجة صيغة امريكية قبلها كل من الطرفين البريطاني والمصري عن رضا كامل. بناء على هذه الصيغة توصلت الحكومتان المصرية والبريطانية الى اتفاقيتين: «اتفاقية السودان» لعام 1953 و«اتفاقية قناة السويس» لعام 1954 والثانية تكمل الاولى. «اتفاقية السودان» تجاوبت مع المطلب المصري بتصفية الادارة الاستعمارية البريطانية في السودان على ان يعقب ذلك تهيئة الفرصة للشعب السوداني لتقرير مصيره من اجل نيل الاستقلال. وله ان يقيم اتحاداً مع مصر ان شاء. وفي مقابل هذا التنازل البريطاني تعهدت مصر من جانبها بأن تتساهل في التفاوض بشأن الوجود البريطاني في قناة السويس، وقد تمثل هذا التساهل في اتفاقية عام 1954 وبينما نصت هذه الاتفاقية على جلاء القوات البريطانية إلا انها تضمنت ايضا نصا يتيح لبريطانيا اعادة قواتها في حال تعرض منطقة القناة «لعدوان خارجي» ترك امر تفسيره وفقا للاتفاقية للحكومة البريطانية. فماذا حدث للاتفاقيتين؟ نسف عبدالناصر اتفاقية قناة السويس عندما فاجأ بريطانيا والعالم في عام 1956 بقرار تأمين القناة. اما الاتفاقية الثانية فقد صمدت الى ان اجتاز السودان الفترة الانتقالية المنصوص عليها فأعلن الاستقلال في اول يناير 1956. والآن وبعد ما يقارب نصف قرن نستطيع ان نرى ان دخول الولايات المتحدة على خط مصر والسودان في النصف الاول من خمسينيات القرن الماضي كان احد العلامات الاولى لانطواء صفحة الاستعمار التقليدي في العالم العربي وافريقيا ليفسح المجال للنفوذ الامريكي العالمي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.