أزف موعد الرحيل عن نيويورك وإذا كان عبدالوهاب قد أنشد في الزمان البعيد قائلا (ليلة الوداع طال السهر).. وقلبي قال لي: إيه الخبر؟.. قلت الحبايب هجروني، فإن لسان حالنا يقول ان السهر طال فعلا ليلة وداع نيويورك.. ولكن القلب لم يطرح سؤالا ولا كان ـ علم الله ـ بانتظار جواب.. اذ كان القلب معلقا في شغف شديد بالوطن وأهله والوطن وأحواله والوطن واخباره.. ولا كان القلب واجفا ونحن نودع الحاضرة الأمريكية الشهيرة.. فقد شاء الله سبحانه أن نمضي في ربوعها هذا العام نحوا من ستة أشهر.. بدأتها بحفاوة بنا كضيوف نعرفها ونألف مسالكها ونتفهم بدوات دلالها ونزوات تمنعها أو اقبالها ولكنها ما لبثت أن أربدت سحنتها لفرط ما أصابها من جراء قارعة سبتمبر فكان ان اكفهر منها الوجه وغلظت الملامح واستبد بها هاجس اسمه الامن ومعه وسواس اسمه السلامة وربما أوصلاها الى هستيريا اسمها الخطر المحدق والتهديد المتربص من جراء قوم اسمهم العرب واسمهم المسلمون. وما كان لنا ان نبقى ماكثين في نيويورك الا بحكم التزامات ـ أدبية ومعنوية واخلاقية قبل أن تكون قانونية أو مالية لعل في مقدمتها ذلك الالتزام الذي تفرضه علينا منظومة القيم التي نشأنا عليها وفي مقدمتها قيمة أن نعرف الناس البشر.. والمدن في حالتي السراء والضراء لا نقبل عليهم وهم في فرح يرفلون ثم ندبر عنهم تباعدا وازورا اذا ما الم بهم طائف من حزن أو اذا مسهم الضر وقد نزل بهم في الحادي عشر من سبتمبر ـ كما لا شك تعرف ـ طائر الحزن الشديد والدمار الفادح فكان أن أورثهم ـ ومازال اسقاما وندوبا في الجسم والنفس على السواء.. يحضرنا في هذا السياق بالذات بيت جميل وبليغ لأمير الشعراء شوقي في معنى التواجد عند الاقبال والتباعد والغياب في حالة الادباء يقول: كثيرون عند اجتناء القطاف، قليلون عند امتناع الثمر مع هذا كله.. فلم نشأ أن نودع نيويورك بعد هذه الأشهر الستة على نغمة أسى أردنا ان نفتش عن أي ايجابية، أي سلوك معقول يصدر عن المدينة الأمريكية الكبيرة.. فوجدناها تحتفل يوم الحادي عشر من شهر ديسمبر 2001 بمئوية عزيزة على وجدان البشرية تحمل اسم مئوية ماركوني تيمنا باسم العالم ـ المكتشف ـ المخترع الايطالي الكبير. والأمريكان لديهم شغف خاص بذكريات التاريخ ولعلنا نصفهم بأنهم يعانون من (فقر تاريخ) أو نقص (تاريخ) على وزن فقر الدم أو نقص التغذية ـ فيما يمكن لتشخيص حالة شعوب أخرى في مصر أو في الصين مثلا بان لديها (فرط تاريخ) أو (تخمة تاريخية). ولأن حصيلة الأمريكان كشعب جديد أو كأمة محدثة لا تزيد الا قليلا أو طفيفا عن 200 سنة وكسور.. فهم في حالة استنفار دائم ازاء الاحتفالات التذكارية ـ اليوبيلات كما يسمونها ـ بانقضاء العقود الزمنية على الأحداث المشهودة الكبرى يضفون عليها صفات المعادن النفيسة ـ فضية وذهبية وماسية وقد ينزلون الى حيث الصفات البرونزية.. وكم من بيت قد يطالعك في هذا الشارع الصغير أو ذلك الزقاق المسدود من شعاب نيويورك ومسالكها وقد بدا مميزا مهندما، ولو على استحياء ـ بين صف البيوت والمساكن المجاورة.. فإن اقتربت منه طالعتك لافتة صغيرة من نحاس مصقول قد تقرأ عليها عبارات تقول مثلا: ان هذا المبنى أصبح من معالم المدينة وقد تقرر ضمه الى سجل تذكاراتها لماذا يامولانا؟ ـ لأنه كان مسكنا للفنان فلان أو اتخذه منزلا أو مستقرا الفيلسوف أو العالم أو المفكر فلاني. ومن عجب ان الفقير كاتب السطور ظل يمر شخصيا ويوميا بواحد من تلك التذكارات دون أن ندري ان كان في جيرتنا ـ منطقة شارع 14 في نيويورك المسكن الذي اتخذه يوما الموسيقار الأشهر انطونين دفور جاك مبدع سمفونية (العالم الجديد) (رحل عن الدنيا عام 1904) وكان ذلك خلال اقامته التي طالت في نيويورك نحوا من سنوات ثلاث.. ورغم قصر هذه المدة التي امضاها الموسيقار الكبير مديرا لمعهد الموسيقى في نيويورك وبعدها عاد الى عاصمة بلده ـ براج التشيكية الا أن الاخوة الأمريكان لم يفوتوا هذه الفرصة وحولوا البيت المتواضع الذي سكنه دفورجاك الى مزار سياحي تذكاري داوموا طبعا على ترميمه وصيانته وتلميع لافتته النحاسية التي لم نشأ أن نستجلي عباراتها سوى قبيل مفارقتنا المدينة الكبيرة بأيام قلائل. يرجع مرجوعنا ـ كما يقولون ـ الى مئوية ماركوني التي احتفلوا بها يوم 11 ديسمبر فكان ان اعادوا ـ واعاد العالم الى الذاكرة الجمعية لعصرنا وذكرى مأثرة ذلك اليوم، الحادي عشر من ديسمبر عام 1901. وقف النابغة الطلياني (بالأدق نصف الطلياني اذ كانت أمه ايرلندية) جوجليلمو ماركوني وكان عمره وقتها 27 سنة ليس الا عند موقع سان جونز في منطقة نيو فاوندلاند الشمالية غرب الأطلسي بتلقى شارات جاءته عبر الاثير من محطة ارسال في بولدو بمنطقة كورنول في انجلترا.. صحيح ان الاشارات كما وصفها المهندس ماركوني نفسه جاءت خافتة واهنة الا انها كانت حاسمة وقاطعة ايضا بل كان ارسالها واستقبالها عبر غياهب المحيط الأطلسي وبغير اسلاك أو توصيلات ـ نقطة تحول جذري بحق في مسار التاريخ.. بعدها دخل اللاسلكي حياة الناس فكان ان نجمت عنه ثورة مازلنا نعيش اثارها في مضمار الاتصال عبر ربوع الكرة الارضية في السلم وفي الحرب على السواء. يومها كتبت (التايمز) اللندنية تقول: (ان اكتشاف ماركوني جاء يحل مشكلة الارسال البرقي بغير اسلاك على ضفتي الاطلسي). كانت انجلترا قد ودعت في مستهل نفس العام ـ بالتحديد يوم 22 يناير 1901 الملكة فيكتوريا التي حكمت الامبراطورية وربما كانت «التايمز» ساعتها تعيش أمجاد الامبراطورية أو ذكريات المجد الفيكتوري فلم يقدر لها أن تتصور سوى ان اختراع ماركوني اللاسلكي سيفيد شعوب الغرب المقيمة على جانبي الأطلسي في أوروبا وامريكا.. وربما لم تتصور أن اللاسلكي سوف يلف كرة الأرض بأسرها وان رسائله الاثيرية سوف تنتقل يوما عبر السواتل (الأقمار الاصطناعية) لتصل الى ادغال أسياد غابات أفريقيا ومجاهل الأمازون في أمريكا اللاتينية وتجتاز البوادي والصحارى في كل انحاء المعمورة أو المسكونة. ولقد بادر مراسل «التايمز» في نيويورك فنقل الخبر عن انجاز المخترع ماركوني الى مخترع أخر هو توماس اديسون ـ العبقري الأمريكي الذي قدم للدنيا سلسلة مخترعات واكتشافات بدأت بالكهرباء ولم تنته بالفوتوغراف (الجراموفون) ومن بعدهما ارهاصات الراديو بل والسينما وفيما قال مراسل «التايمز» ان اكتشاف اللاسلكي قوبل في نيويورك بمشاعر (جمعت بين العمق والاثارة) فإن الخواجة الأمريكي اديسون وبرغم كل مخترعاته التاريخية شعر بنيران الغيرة تنهش ضلوعه وهو انسان قبل كل شئ وأعرب عن تشككه في حكاية اللاسلكي ولكنه احترس قائلا: ـ لن أصدق هذه الاخبار.. قبل ان اتلقى مزيدا من التفاصيل عن حكاية اللاسلكي هذه. أكثر من هذا.. كانت شركة الكابلات التجارية ـ السلكية، طبعا ـ بسبيل انشاء مشروع للتوصيلات السلكية في نيويورك وربما في انحاء أخرى من أمريكا. وربما جاء خبر اكتشاف الاتصالات اللاسلكية وقع الصاعقة على مدير الشركة المذكورة ومع ذلك فقد نقلت الصحف يومها عن ذلك المدير الهمام تصريحا قال فيه: ـ ولو.. سوف نمضى في مشروعنا بانشاء كابلات وأسلاك التوصيل وكأن حكاية رسائل اللاسلكي المزعومة لم تحدث من قريب أو بعيد! والغرض.. مرض كما يقولون ولسنا نعرف كيف كانت نهاية المدير (السلكي) المذكور أعلاه بعد ان تأكدت سمعة اكتشاف (اللاسلكي) وسيلة رائعة وناجحة للاتصال والذي نعرفه ان النابغة الايطالي ـ الايرلندي جوجليلمو ماركوني حصل على جائزة نوبل الرفيعة في الفيزياء عام 1909 وكرمته ايطاليا بالذات حين أوفدته ضمن مندوبيها الى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى وما زال صك اتفاقيات السلام يحمل توقيعه ثم خلعت عليه ايطاليا لقب مركيز وجعلته عضوا في مجلس الشيوخ وحين رحل عن الدنيا في 20 يوليو عام 1937 شيعته ايطاليا في موكب رسمي بوصفه واحدا من صانعي عظمة البلاد وأبطال التاريخ.