لقد تعودنا في الأدبيات العربية القيام بجلد الذات والمبالغة أحياناً في عدد الجلدات الى درجة التخدير الذي ينتج من هذه العملية المكررة بنفس الوتيرة. وما نحتاجه فعلاً في هذه الفترة للمشاريع الناجحة هو صقل الذات وليس جلدها من أجل تقييم علمي وموضوعي لمسيرة مجلس التعاون الخليجي بعد مرور عقدين على قيامه واستمراره. وهذا التقييم البعيد عن الجلد وأوجاعه يجب استبداله بعملية صقل دورية نصل من خلالها الى معالجة مواضع القصور في هذه التجربة وصقلها كما تصقل النار الذهب بعد التخلص من الشوائب التي تلصق به أو تحوم حوله. والعرب بالذات لديهم حساسية شديدة من عمليات التقييم القاسية والتي قد تصل أحياناً الى مستوى عمليات الجراحة في قلب المشكلة الرئيسية التي قد نعاني منها باللجوء الى معالجة الفرعيات على حساب الأصل. ونستوحي عملية الصقل هذه من تجربة حديثة خاضتها بريطانيا في أوائل التسعينيات، عندما وقفت مع نفسها في مؤتمر عام وضخم، ضم كافة التيارات السياسية التي تحكم البلد وتتحكم في مجريات أداء الدولة لتضع أمام صنّاع القرار في كل القطاعات الحيوية مجموعة من السيناريوهات التي تعطي صورة حقيقية وواضحة للشعب البريطاني ومسئوليه عن المكانة التي وصلت اليها بين الأمم الأوروبية فكانت النتائج في النقاط التالية: ـ إن بريطانيا أصبحت في ذيل القافلة الأوروبية بحيث تكاد تنزوي عن العيون، وقد غابت عنها الشمس بعد أن كانت لا تغيب. ـ إنها ماضية مع بقية الدول الأوروبية، إلا أن تخلفها عن اللحاق بقطار العملة الأوروبية الموحدة سوف يؤثر على مجمل أدائها الاقتصادي المستقبلي مقارنة بالآخرين من المنضمين الى الاتحاد الأوروبي. ـ السيناريو الأخير، هو أن بريطانيا مقارنة بأمريكا على وجه التحديد، متخلفة عنها بفترة زمنية تقارب نصف قرن لأنها لم تدخل منذ البداية في علاقة مباشرة مع شبكة الكابلات الخاصة بالحاسب الآلي مع أمريكا في أوائل الثمانينيات عندما بدأ صوت وادي السليكون يرتفع ويصعد الى الفضاء المرئي وغير المرئي. هذا النموذج من التقييم العقلاني المعتمد على أبحاث علمية بحتة قام بها مجموعة كبيرة من العملاء في كل التخصصات التي تحمل المجتمع على أكتافها وتقيها العثرات، عندما تضع الرقم الصعب أمام الرقم السهل ليتحولا جميعاً الى قوة دفع ايجابية من خلال النتائج والتوصيات التي تخرج في مثل هذه العملية المرضية من الصقل للذات مبني على حقائق وليس على جبر الخواطر التي ترتاح للمديح وإن كان مزيفاً وتُسر للبريق وإن كان زيفاً لامعاً، فالمطلوب بعد مسيرة العشرين عاماً من عمر مجلس التعاون الخليجي مواجهة الذات بصقلها وليس بجلدها مرة أخرى. E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae