«اعادة انتاج الرسالة الدينية» هي هدية وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية للأمة العربية بمناسبة العام الجديد. فعام 2002 سيكون عام الحرب الثقافية الامريكية في اجندة «مكافحة الارهاب». وهي حرب تتكون طليعتها الميدانية من شخصيات منتقاة من نخب عربية سوف تستهدف المسجد والمدرسة ووسائل الاعلام باسم «الاصلاح». عند مطلع عقد الثمانينيات اندلعت ما يمكن ان يطلق عليها الحرب الامريكية الثقافية الاولى ضد الامة العربية لمناوأة اولى موجات عهد حركة المد الاسلامي لكي لا تنتشر. وكان «الكتاب» هو السلاح الرئيسي لهذه الحرب. وفي مساحة زمنية وجيزة لمعت اسماء من ابرزها فودة والبهنساوي وفؤاد زكريا، تدافعت مؤلفاتهم الى سوق الكتب وكلها تتناول سياقا واحدا: اعادة انتاج التاريخ الاسلامي لاثبات ان الاسلام لا يصلح كأساس لاقامة دولة عصرية.. وبالتالي نسف البنية السياسية لحركة المد الاسلامي بما يسهم في محاربة تنظيمات اسلامية. اما الحرب الثقافية الجديدة فإن استراتيجيتها تختلف، فالهدف هذه المرة هو اعادة انتاج مباديء العقيدة الدينية ذاتها، بغرض تدجينها بما يخدم اغراض «مكافحة الارهاب» وربما تعود بعض شخصيات الطابور الخامس القديم لكن اغلب الظن سوف تجند شخصيات جديدة. في غمار بداية الحملة الامريكية الراهنة لمكافحة الارهاب العالمي، وعلى خلفية ازيز الطائرات في الاجواء الباكستانية ومسلسل الملاحقات والمطاردات الامنية بواسطة اجهزة الاستخبارات الامريكية في ارجاء العالم العربي والاسلامي، رشح عن بعض شخصيات الادارة الامريكية ما يمكن ان يعتبر طلقات استهلالية. فقد طالبوا دولا عربية باعادة النظر في مناهج المدارس الدينية. ورغم ان هذا المطلب يبدو بريئا في ظاهره إلا انه يتخذ معنى خاصا واكثر تحديدا اذا قريء في سياق «كبح اثارة الكراهية ضد الآخرين». وكأن بعض الشخصيات التربوية العربية كانت في انتظار اشارة امريكية، فتلقفوا تعبير «اثارة الكراهية» ليدافعوا عن اهداف الحملة الامريكية عن طريق المطالبة بمراجعة شاملة لكل المناهج التربوية الدينية في المدارس. وليس من العسير استنتاج الخطوة التالية، فباسم الاصلاح سوف يطالبون بمناهج «حديثة» للتربية الدينية في المقررات المدرسية بهدف اعادة تفسير اي اشارة تتعلق باليهود كعدو للاسلام والمسلمين في كل زمان ومكان حتى قيام الساعة وهكذا ستكون بداية حملة قوامها تربويون في مجالات الفقه والدين وعلم الاجتماع والسياسة يتخفون وراء شعار «التسامح» بهدف اسكات أي صوت يرتفع احتجاجاً على السياسات والممارسات الامريكية تجاه العرب. اما الهدف الامريكي بعيد المدى فهو ايضا ليس عصياً على الاستنتاج، فالولايات المتحدة لا تريد اعادة انتاج الرسالة الدينية فحسب بل تريد ايضا اعادة انتاج الامة العربية الاسلامية نفسها بخلق جيل جديد من الشباب يتلقى في المدارس تعليما دينيا يلقنهم انه لم تعد هناك مبررات لنشر كلمة الله وان الجهاد لا يعني سوى مجاهدة النفس على طريق «التسامح». ان الدين الاسلامي ليس عقيدة عدوانية وليس مذهبا تعصبيا. لكنه بنفس القدر ليس عقيدة للاستخذاء. وأمة المسلمين في هذا العصر اذ تواجه عدوانا غربيا تستخدم فيه كل الوسائل فانها في الحقيقة في موقع دفاع عن النفس.