تمر القضية الفلسطينية بمرحلة صعبة من نضالها في وقت يشهد فيه العالم ارهاصات وتحولات جذرية على اثر حوادث 11 سبتمبر الأخيرة بالولايات المتحدة الامريكية والتي كان توقيتها مناسبا لتعلن الولايات المتحدة الامريكية للعالم انها أعلنت الحرب على ما أسمته بالارهاب الدولي، ولم تستثن في حربها الجديدة التنظيمات الفلسطينية التي وصفتها بالتنظيمات الارهابية لأنها تقتل برأسها المدنيين الاسرائيليين (الابرياء). وتعلم الولايات المتحدة الامريكية ومن ورائها اسرائيل انه لا يمكن للعرب ان يعارضوا موقفها الجديد من القضية الفلسطينية لأن من يعارض أو يعترض من العرب سوف توجه اليه أصابع الاتهام بأنه يساند (الارهاب الفلسطيني). ويعرف رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون ان الوقت مناسبا له لينفذ مشاريعه التي عجز عن تنفيذها خلال الفترة التي سبقت الحادي عشر من سبتمبر، حيث كان الموقف العربي من القضية الفلسطينية متماسكاً، فراح يوسع دائرة الاغتيالات والاجتياحات للأراضي الفلسطينية لأنه لقي دعما وبندا أمريكيا تمثل في حصوله على ضوء أخضر من الادارة الأمريكية الجديدة على توسيع دائرة الاغتيالات في صفوف القادة الفلسطينيين وتضييق الخناق على الرئيس الفلسطيني داخل فلسطين الى حين يفكك أبوعمار الانتفاضة. ومع الحصار الذي تفرضه عليه اسرائيل والادارة الامريكية والضغوط المتراكمة لوقف العمليات ضد الاسرائيليين، وأمام الصمت العربي الرهيب عن المجازر الاسرائيلية وجد رئيس السلطة الفلسطينية نفسه أمام وضع صعب للغاية أرغمه على اتخاذ قرار صعب وخطير تمثل في اتخاذه قرارا بتفكيك التنظيمات الفلسطينية خاصة التنظيمات المدرجة ضمن قائمة الجماعات المسماة بـ «الارهابية» وفقاً للتصنيف الامريكي، وهي حماس والجهاد الفلسطيني، ويكون ياسر عرفات في هذه الحالة قد دخل في مأزق سياسي وأمني داخلي تريد اسرائيل ان تجره اليه وهو ان ترفض التنظيمات الفلسطينية قرار السلطة الفلسطينية بوقف العمليات العسكرية ضد اسرائيل لأن القرار ليس في مصلحة الانتفاضة التي قدمت المئات من الشهداء واذا ما وافقت حماس على قرار السلطة فإن ذلك لن يكون الا لفترة محدودة لمعرفة نوايا اسرائيل التي تحججت أكثر من مرة بالادعاء ان العمليات الاستشهادية تؤثر على مسار السلام في الشرق الأوسط ومع الإقرار بأن ياسر عرفات قد ينجح مؤقتاً في مسعاه بايقاف العمليات العسكرية ضد اسرائيل، الا انه من الصعوبة ان ينجح في تفكيك التنظيمات الفلسطينية كما تطالبه الولايات المتحدة واسرائيل لأنه اذا وجد تنظيمات تقاومه بالسلاح خاصة وان اسرائيل طالبته بزج القيادات العليا للتنظيمات الفلسطينية في السجون، وهذا ما تتخوف منه القيادة الفلسطينية لأنها تعرف انها اذا أقدمت على هذا القرار ستكون حققت لاسرائيل ما عجزت عن تحقيقه في السنوات الماضية، بل ان الخلاف بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس بدأ يظهر الى العلن وينذر باشتعال مواجهات موسعة بين الطرفين تنذر باندلاع حرب أهلية، فعلى الرغم من ان حماس أعلنت عن وقف العمليات العسكرية، الا ان إقدام السلطة على محاولة القبض على أحد قياديي حماس وهو الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي أدى الى اندلاع اشتباكات مسلحة بين حماس والسلطة الفلسطينية لذلك يتعين على السلطة الفلسطينية ان تتعامل بحذر شديد مع ملف التنظيمات الفلسطينية الفاعلة لأن ما ترمي اليه اسرائيل هو ان ترى الفصائل الفلسطينية تتقاتل فيما بينها، أما ما تدعيه بالقول ان الفصائل الفلسطينية تعارض السلام في المنطقة فهو ادعاء خادع بدليل ان اسرائيل واصلت اغتيالاتها وقصفها للمدن الفلسطينية في الوقت الذي أعلنت فيه حماس عن وقف عملياتها العسكرية وفي هذا الوقت بالذات قالت اسرائيل ان ياسر عرفات لم يفعل شيئا وكل ما اتخذه من قرارات كغلق مكاتب حماس والجهاد الاسلامي وإلقائه القبض على نشطاء حماس ما هي الا اجراءات لذر الرماد في العيون بمعنى ان اسرائيل تريد ان تقول للسلطة عليك باعلان الحرب على الشعب الفلسطيني بالزج به في السجون لأن كل الشعب مقاوم لاسرائيل، إن اسرائيل أصبحت على قناعة انها فشلت في ايقاف الانتفاضة وتعرف ان ايقافها لا يكون الا بأيد فلسطينية، لذلك هي تراهن على عرفات لاسقاطه من جهة اذا ما تفاعل مع مخططها ولافشال المقاومة الفلسطينية عبر ادخالها في حرب أهلية لا قدر اللّه لذلك على السلطة أن تكون حذرة في التعامل مع الحركات الفلسطينية لأنها تمثل نبض الشارع والعمود الأساسي للانتفاضة المباركة، فهذا الأخيرة هي برأينا الورقة الأخيرة المتبقية للسلطة لكي تضغط بواسطتها على اسرائيل وترغمها على الاستجابة للقرارات الدولية وذلك بعد ان فقدت السلطة الفلسطينية السند الدولي والسند العربي الذي لم يعد قادرا بعد حوادث 11 سبتمبر الأخيرة بالولايات المتحدة الأمريكية، حتى على اصدار بيان إدانة للممارسات الاسرائيلية وللتعنت الامريكي وانحيازه الفاضح لاسرائيل. ـ كاتب جزائري