حينما أطفأ الكولونيل ماثيو برودريك الأنوار في مقر القوات الامريكية في العاصمة الصومالية مقديشو في 25 مارس عام 1994، منهياً وجود القوات الامريكية في الصومال بعد مهمة فاشلة استمرت ستة عشر شهراً، مثل ذلك خيبة كبيرة للامريكيين وهزيمة نفسية بل وعسكرية كبيرة بعد النصر رخيص الثمن الذي حققوه في حرب الخليج الثانية، ويبدو ان اختيار الكولونيل ماثيو برودريك للقيام بهذه المهمة لم يكن اعتباطيا لأن الرجل نفسه كان قائد السرية التي أخلت مقر السفارة الامريكية في سايجون نهاية حرب فيتنام عام 1975. لذا فإن الصومال لها خصوصية كبيرة لدى الامريكان دون أي من الأقطار الاخرى المهددة بتوجيه ضربات عسكرية لها، ففي ديسمبر عام 1992 أصدر الرئيس الامريكي الأسبق جورج بوش (الأب) قراراً بالتدخل العسكري في الصومال، وقال بوش في خطاب ألقاه في 4 ديسمبر 1992: «لقد أعطيت الأوامر لوزير الدفاع تشيني (النائب الحالي للرئيس الامريكي) لتحريك قوة امريكية كبيرة الى الصومال.. في الوقت الذي أتحدث فيه توجد قوة برمائية متأهبة من جنود البحرية قبالة شواطيء مقديشو». وبدأت الحملة العسكرية الامريكية على بلد فقير تمزقه الحرب الأهلية تحت شعار «اعادة الأمل» لكن لم يمر عام واحد على التدخل الأمريكي في الصومال حتى كان الجياع الحفاة العراة من الصوماليين يجرون جثة طيار أمريكي في شوارع مقديشو لعدة ساعات في الثالث من نوفمبر عام 1993، ونقلت صوره عبر كافة وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية مما هز البيت الأبيض، لاسيما وان القوات الأمريكية في الصومال والتي كانت تزيد آنذاك على ثمانية وعشرين ألف جندي أمريكي لم تحرك ساكنا حتى ترك الأطفال جثة الطيار الامريكي أمام الفندق الذي يقيم فيه الصحفيون الأجانب في مقديشو بعدما طافوا بجثته معظم شوارع المدينة. وقد تواكب هذا مع سقوط طائرتين مروحيتين أمريكيتين من طراز «بلاك هوك» على أيدي الصوماليين مما أدى الى مقتل واصابة تسعين أمريكياً، وكما يمثل ابن لادن الآن هدفا صعب المنال للأمريكيين في أفغانستان كان الجنرال محمد فارح عيديد يمثل هدفا أساسيا للأمريكيين، حيث مُنوا مرات عديدة بالخيبة بعد هجمات كبيرة شنوها على مواقع عديدة منها مواقع تابعة لمنظمات تابعة للأمم المتحدة اعتقادا منهم ان الجنرال عيديد مختبيء فيها، لكنهم فشلوا طوال ستة عشر شهرا قضوها في الصومال في القبض على عيديد. وحينما شعر الرئيس كلينتون بأن الصومال أصبح مستنقعا للقوات الامريكية وطأ بقدمه تصريحات بوش الأب التي قال فيها «إن شعب الصومال خصوصا الأطفال يحتاجون الى مساعدتنا ونحن قادرون على تخفيف معاناتهم، يجب ان نمنحهم الأمل». وقرر كلينتون رحيل القوات الأمريكية عن الصومال التي رحلت وشبح فيتنام يخيم عليها بعدما أخلت مقرها بنفس الرجل الذي أخلى مقرها في سايجون قبل تسعة عشر عاماً. وبقيت «خيبة الأمل» الامريكية في الصومال لحملة «اعادة الأمل» معلقة في تاريخ جورج بوش الأب ووزير دفاعه آنذاك ديك تشيني اللذين عادا الآن لحكم الولايات المتحدة من جديد، الأول عبر ابنه الذي يشير كثير من المراقبين ان أباه يتدخل في توجيهه بشكل أساسي بسبب ضعفه في الشئون الدولية، أما الثاني فقد عاد نائبا للرئيس، بل والرجل ذو النفوذ الكبير والقرار المؤثر في كل السياسة الامريكية، حتى ان المراقبين يشيرون الى انه من أقوى نواب الرئيس الذين ظهروا في العقود الأخيرة نفوذا وتأثيرا في صناعة القرار. وكلا الرجلين يدركان ان سجل الصوماليين للطيارين الامريكيين في شوارع مقديشو قبل أكثر من ثماني سنوات إنما كان سجلاً لقرار بوش الأب ووزير دفاعه تشيني آنذاك مما دفع كلينتون الى عدم التباطؤ في اتخاذ قرار الهروب من الصومال. ورغم ان الصومال بها دولة وليدة ولدت نهاية العام 1999 وتحاول ان تعيد بناء ما دمرته الحرب، الا ان الولايات المتحدة قررت ان تستهدفها لا بسبب الارهاب الذي أكد الرئيس الصومالي أكثر من مرة انه ليس له وجود في بلاده ولكن بسبب الثأر... الثأر القديم! ـ كاتب وإعلامي مصري