وينتهي عام غريب، لم يكن فقط فاتحة قرن جديد، بل كان بداية عالم جديد لا نعلم أين سنكون فيه، بل ولا ندري اذا كان سيكون لنا مكان فيه.. وأين يكون هذا المكان إذا وجدناه. بدأنا العام مستبشرين. فاجأتنا انتفاضة الأقصى فأيقظت فينا آمالا كادت أن تموت، وفاجأت أعداءنا فأيقظت فيهم مخاوف ظنوا أنهم هجروها أو أنها هجرتهم للأبد. انتفضت فلسطين وانتفض معها الشارع العربي كله. واضطرت الأنظمة العربية أن تتحرك وهي تواجه ضغط الرأي العام المطالب بدعم الانتفاضة والتصدي للعدوان الاسرائيلي، وانعقدت القمة العربية بعد طول غياب وبعد ممانعة أمريكية امتدت لسنوات لأي خطوة عربية نحو التآلف والمصالحة واتخاذ أي موقف عربي مشترك. ورغم الضغوط الأمريكية وعجز النظام العربي فإن مجرد التئام القمة كان انجازا، ومحاولة الالتقاء بالرأي العام العربي فرضت مواقف الحد الأدنى من الدعم المادي والسياسي للانتفاضة وتصاعدت أصوات تطالب بموقف حاسم من الولايات المتحدة، وبدأ الحديث عن ضرورة قطع كل العلاقات الرسمية مع الكيان الصهيوني. وتجاوزت القمة احداث الانتفاضة الى قضيتين هامتين وأساسيتين وهما المصالحة العربية والتعاون الاقتصادي. القضية الأولى فرضها رأي عام يرى عبثية استمرار الخلافات العربية ـ العربية بينما الأمة تخوض صراع مصير، والقضية الثانية كان يمكن أن تكون قضية العرب الأولى منذ سنوات طويلة لو لم تداهمهم حرب الخليج وتحاصرهم آثارها وتضغط عليهم قوى دولية ترى في اجتماع كلمة العرب خطرا على مصالحها. وبسبب ضغط الأحداث في الارض المحتلة، وربما أيضا بسبب الحاجة الى تقديم شيء ايجابي يعوض الرأى العام عن تواضع الموقف العربي في مساندة الانتفاضة.. ربما بسبب ذلك كله حدث التقدم في القضيتين الاساسيتين، ففي قضية المصالحة كادت قمة عمان ان تحقق اختراقا هاما في رأب الصدع بين دول الخليج والعراق، وعندما فشلت الجهود في اللحظات الاخيرة لم تغلق الصفحة بل عهد الى لجنة من الرؤساء والملوك بمتابعة الجهود لاجتياز العقبات الباقية. وفي القضية الثانية دخل الاقتصاد بندا اساسيا في العمل العربي الجماعي، ورغم أن الحديث كان أولا عن قمة اقتصادية عربية دورية، ثم تراجع الى مؤتمر ضاعت ملامحه بعد ذلك، فإن الاحساس العام يومها ان هناك يقينا بأن عصر التجارب الفردية للدول العربية قد انتهى وانه بلا تجمع في كيان اقتصادي عربي كبير فإن العرب لن يكونوا قادرين على مواجهة تحديات المستقبل. ومع كل ذلك كان هناك تحول جذري في آلية العمل العربي المشترك.. أولا بإقرار مبدأ الاجتماع الدوري للقمة العربية، وثانيا باختيار عمرو موسى أمينا عاما للجامعة العربية بكل مايمثله من ديناميكية في الحركة ورغبة في تحويل الجامعة الى مؤسسة حقيقية للعمل العربي المشترك يدعمه تأييد رسمي وتقدير شعبي قل أن يتمتع به دبلوماسي استطاع ان يكتسب احترام الجميع بمواقفه وهو رأس الدبلوماسية المصرية لسنوات عشر. هكذا كنا في بداية العام.. انتفاضة تفتح الفصل الجديد لكفاح الشعب الفلسطيني بإصرار على أن يكون الفصل الحاسم في نضالها من أجل التحرير والاستقلال. وشارع عربي بثت فيه الانتفاضة من روحها ـ وتآلفت قواه السياسية وقيادته الفكرية في الدعوة لمساندة الانتفاضة ومقاطعة العدو ومواجهة من يساندونه بأن مصالحهم لن تكون آمنة اذا ظلوا على عدائهم للأمة العربية وتحرك على المستوى الرسمي يدرك ان استمرار الاوضاع على ماهي عليه أمر مستحيل، وانه لا استقرار في المنطقة في وجود هذا الكيان العنصري العدواني على ارض فلسطين المحتلة، وان ترك جراح الماضي تحكم الحركة العربية هو جريمة في حق المستقبل، وان العالم لا يحترم الا الاقوياء، والعرب يملكون كل امكانيات القوة، ولن تتسامح الشعوب مع اهدار هذه الامكانيات والبقاء تحت رحمة من لا يعملون الا لمصالحهم ومن يسعون لخريطة جديدة للمنطقة تبقيها الى الابد في أيديهم وتبقى العرب خارج التاريخ أو على هامشه. كانت هذه هي الصورة مع بدايات العام، فماذا في نهايته؟ الصورة لا تحتاج لاجتهاد كبير لكي نكشف عمق الأزمة التي تجتازها الأمة العربية، وصعوبة الاوضاع التي تمر بها. الانتفاضة التي بشرت بفجر جديد ليس لفلسطين وحدها بل للعرب جميعا جرى حصارها، ورغم التضحيات الهائلة لاشقائنا في فلسطين الذين خاضوا عاما من الصمود والمواجهة لأبشع عدوان نازي فإنهم يواجهون الآن موقفا مأساويا تواصل فيه اسرائيل حرب الابادة ضدهم، بينما العالم صامت، وأمريكا تساند حكومة مجرمي الحرب بقيادة السفاح شارون، وأحداث 11 سبتمبر يجري استغلالها أبشع استغلال لتحويل الفلسطينيين الى صورة أخرى من (طالبان) وتصوير كفاحهم المشروع من أجل الحرية والاستقلال على انه ارهاب، وارغام القيادة الفلسطينية على إنهاء الانتفاضة وايقاف الكفاح المسلح واعتقال المناضلين والرضوخ لشروط شارون بعد ان اصبحت دستورا يحكم حركة أمريكا ويحدد خطواتها في المنطقة. والشارع العربي الذي كانت الحياة قد دبت فيه عاد الى حالة السكون المميت التي كان يعيش فيها. الحركة السياسية معدومة، والاحزاب والتيارات السياسية غائبة، ومسلسل تلفزيوني متواضع مثل (الحاج متولي) يشغل الناس بأكثر ما تشغلهم قضايا المصير، والمذابح تجتاح فلسطين فلا يتحرك أحد والأمن القومي يستباح بلا مقاومة، ولا أحد يبحث في الخروج من الأزمة بل في التعايش معها. والنظام العربي يزاداد عجزه وهو يواجه حملة شرسة من الكراهية والعداء بعد أحداث 11 سبتمبر، يدرك الجميع ـ بمن فيهم الذين أطلقوها ـ انها حملة ظالمة، ومع ذلك فإن الخوف يقتل الضحايا الحقيقيين للارهاب وهم العرب، فيصبحوا مطالبين بالاعتذار عن جرائم لم يرتكبوها، ويتحولوا الى هدف سهل لأبشع أنواع العنصرية، ويوضع العالم العربي كله في قفص الاتهام، ويصبح التحالف الأمريكي ـ الاسرائيلي هو المؤهل لاصدار الاحكام وتنفيذها على العرب والمسلمين في غيبة القانون وعلى جثة الشرعية الدولية. وهكذا أصبح كفاح الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال ارهابا، وتحولت منظمات المقاومة في فلسطين ولبنان الى منظمات إرهابية، واصبح نصف الدول العربية أهدافا محتملة لكي تكون افغانستان أخرى، وتحت لافتة (الحرب ضد الارهاب) توجه التهديدات لليمن والصومال وغيرهما، وتوضع سوريا بين خيار التخلي عن منظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية أو العقاب كدولة داعمة للارهاب، وحتى مصر والسعودية تتعرضان لحملة ضارية تحملهما مسئولية الارهاب الذي تعرف أمريكا بالذات انها هي التي رعته وهي التي جندت ودربت ومولت، وحولت الشباب المؤمن المتحمس الى (مجاهدين) يحاربون معركتها في افغانستان، وأرغمت الحكومات العربية والاسلامية على الانضواء في تحالف أنجز المهمة ضد السوفييت لمصلحة أمريكا وحدها التي تركت بعد ذلك المجاهدين يتحولون الى ارهابيين، وسكتت عليهم حين عاثوا أوطانهم فسادا، ومدت لهم يد المساعدة حين تصورت انهم سيكونون ورقة ضغط على حكوماتهم، ولم تتحرك الا بعد ان انقلبوا ضدها، فإذا بها تتهم ضحاياهم من الدول العربية بأنها هي صانعة الارهاب. أما العراق الذي كان مع بداية العام قد حقق خطوات ناجحة في معركة رفع الحصار المفروض على شعبه منذ عشر سنوات فإن القرار الأمريكي بشن عدوان واسع عليه أمر منته كما تروج الادارة الأمريكية، السؤال الذي تطرحه هو: متى يتم هذا العدوان المقرر رغم فشل كل الجهود الأمريكية لايجاد أي صلة بين العراق وأحداث 11 سبتمبر أو أي علاقة مع الارهاب. ورغم ان الحجة البالية التي تتذرع بها أمريكا لم تعد تقنع أحدا.. فليس من المتصور أن يكون العراق بعد كل هذه السنوات من الحصار قادرا على تهديد جيرانه وتهديد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها كما تزعم واشنطن وهي تعد لعدوان تحشد له مئة ألف جندي أمريكي لدخول بغداد وتكرار تجربة افغانستان في العراق.. ولتكون عبرة لعرب ومسلمين آخرين ودرسا لابد أن يتكرر حتى توضع الخريطة الجديدة للمنطقة موضع التنفيذ! وطبيعي ان ينعكس ذلك كله على العمل العربي المشترك، وان تتراجع الآمال التي طفت أول العام باتمام المصالحة العربية، وان يتأجل المؤتمر الاقتصادي العربي الذي كان قبل ذلك قمة مقترحة، وان تحدث كل هذه التطورات في المنطقة وفي العالم فلا تلتئم قمة طارئة تبحث الأمر وتحاول ان تضع رؤية عربية في مواجهتها، وان يختتم العام باجتماع تعثر طويلا لوزراء الخارجية العرب لا يجد مايفعله الا ان يناشد الولايات المتحدة الأمريكية ان تعود شريكا نزيها في عملية السلام ـ وكأنها كانت كذلك يوما ما منذ أن بدأت تلك العملية. هكذا تبدو الحالة العربية مع نهاية عام استبشرنا خيرا كثيرا في بداياته. فلماذا جاءت الانتكاسة ولماذا حدث التراجع؟ هناك بالطبع الاجابة الجاهزة عن زلزال 11 سبتمبر الذي قلب الأوضاع في العالم كله، وألقى بظلاله على العالم العربي كله، وجعله يتحمل ما لا طاقة له به. وشيء من ذلك صحيح، ولكن السؤال يبقى مطروحا اذا لاحظنا أمرين: أولهما ان التراجع على كل الجبهات العربية كان سابقا لأحداث 11 سبتمبر. فالأوضاع في فلسطين لم تكن بخير قبل هذا التاريخ، وحرب شارون كانت تتصاعد، والدعم الأمريكي له كان كاملا قبل انفجار زلزال سبتمبر. وصمت الشارع العربي وعجز الأنظمة العربية لم يكن ينتظر أحداث نيويورك، ولا ضرب افغانستان بعد ذلك. والأمر الثاني ان أحداث 11 سبتمبر كان يمكن ان تحقق مردودا ايجابيا للعرب لو كانت أوضاعهم بخير واراداتهم مستقلة وقيادتهم على مستوى ما يحدث في العالم وفي المنطقة. لقد كشفت أحداث 11 سبتمبر عن ارهاب لم يكونوا هم صانعيه بل كانوا أكبر ضحاياه وأول من نبهوا لخطورته وخاضوا المعارك ضده ودفعوا ثمن ذلك من أمنهم واستقرارهم واقتصادهم، بينما كان العالم كله يتفرج، والبعض منه يوفر للارهاب المأوى ويمنحه الدعم ويتعامل مع عصابات الارهاب على انها قوى المستقبل في العالم العربي الذي يحسن أن يقيم معها جسور الصداقة من الآن. وكشفت أحداث سبتمبر عن كراهية عميقة للسياسات الأمريكية في المنطقة وفي العالم. واذا كانت التوجهات الظالمة في سياسة العولمة قد اثارت موجة احتجاج عالمية ضد أمريكا وحلفائها، فإن في العالم العربي أسبابا أكثر مع اخطاء أمريكية فادحة في التعامل مع العرب، وانحياز فاضح لاسرائيل، واصرار دائم على الوقوف ضد أي حركة عربية تستهدف النهوض بالأمة وأي جهد لتحقيق الوفاق بين الاشقاء العرب، والتمسك بالتعامل مع العرب في ظل الانكار الحاسم لحقهم في الوحدة والتقدم والسيادة على ثرواتهم والتحكم في مستقبلهم. لو أن العالم العربي بخير، لوجدت الولايات المتحدة نفسها مجبرة على مراجعة سياساتها والاعتراف بأخطائها وتغيير توجهاتها بدلا من تحميل العرب والمسلمين مسئولية كل ذلك. لو ان العرب بخير لما اصبحوا في قفص الاتهام يحاكمهم المتهمون الحقيقيون ويحملونهم المسئولية ويطالبونهم بالقصاص عن ذنب لم يقترفوه وجريمة لم يرتكبوها. لو كان العرب بخير، لوجدت أمريكا نفسها مجبرة على تصحيح اخطائها في سياستها العربية والتراجع عن انحيازها لاسرائيل، والبحث عن طريق لسلام حقيقي في المنطقة بدلا من رهانها الحالي على سلام يفرضه شارون بالقوة وتمنحه واشنطن الشرعية المزيفة. لكن العالم العربي لم يكن بخير، ولذلك استطاع التحالف الاسرائيلي ـ الأمريكي ان يقلب الأوضاع ـ وان يجعل العرب هم المتهمون بالارهاب، وأمريكا واسرائيل هما الضحايا. واستطاع التحالف الاسرائيلي ـ الأمريكي ان يستغل حالة العجز العربي ليفرض رؤيته ويمارس أبشع عملية ابتزاز تضع المنطقة العربية كلها الآن تحت رحمة التحالف المشبوه بين واشنطن وتل أبيب.. والأسباب تكمن فينا وتسكن تحت جلودنا. نعم.. تغير العالم بعد 11 سبتمبر ولكن هذه ليست المشكلة، وانما القضية اننا لم نتغير لا قبل ولا بعد 11 سبتمبر فمازلنا نعيش الماضي ونحارب المعارك الوهمية وتستنزفنا الأوهام وتقبلنا الشوق الى النهوض والعجز عن بلوغه. في فلسطين.. عجزت الادارة الأمريكية ان ترتفع لمستوى تضحيات الشعب الفلسطيني في انتفاضته الشجاعة.. ولم تتحرك وحدة الدم الفلسطيني على الأرض الى قيادة واحدة تمسك بمقاليد الأمور وتقطع مسلسل التنازلات وتستعيد للقضية وجهها الحقيقي.. قضية أرض محتلة ومقاومة مشروعة واستقلال لابد أن يتحقق. وهكذا تركت المبادرة لحكومة السفاحين في تل أبيب وارتضت الدوران في حلقة مفرغة تريد من الجميع أن يصدقوا أنها ستصل بهم الى سلام الشجعان. وفي عالمنا العربي.. كان الخوف من الشارع العربي هو الهم الأكبر لمعظم الأنظمة وكانت الشرعية الغائبة هي السيف المسلط على هذه الأنظمة، وبدلا من البحث في استرداد الإرادة المستقلة، واعلان الولاء للمواطن الذي هو اساس كل شيء.. انصرف الجميع الى رفع اعلام الاستقرار والطمأنينة الكاذبة على أوضاع سيئة، والتمسوا الأمان عند من تتقاطع مصالحهم مع مصالح الأمة. وفي الشارع العربي.. غابت الفاعلية السياسية، وخيم الصمت على ملايين غابت عنهم روح الديمقراطية وتعاقبت عليهم هزائم النظام العربي المتعددة.. يدفعون ثمنها من حريتهم ومن طموحهم المشروع للعدل وكرامة الوطن والمواطن. نعم.. تغير العالم بعد 11 سبتمبر، ولكن التغيير كان يمكن ان يكون لصالحنا لو أننا كنا على الطريق الصحيح، ولو امتلكنا جرأة الاعتراف بالخطأ وشجاعة البحث عن الحقيقة، والايمان بأن النهضة لا تصنعها قلوب خائفة، ولا عقول تسجن نفسها في الماضي، ولا ارادة يقتلها الخوف ويهزمها العجز عن مواجهة التحديات. هل نتعلم من تجربة عام مليئة بالآمال الخائبة ونتدارك الأمر قبل اكتمال التراجع، أم أن الأوان قد فات؟. هذا هو السؤال!! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية