في الوقت الذي انشغل فيه العالم بالتحولات الكبرى والاحداث التي ترتبت على هجمات الحادي عشر من سبتمبر والزلزال الذي أحدثته فحرك الارض تحت أقدام حركة طالبان التي كانت حاكمة في افغانستان وأطاح بها ليهرب قادتها إلى الكهوف والمغارات في الجبال باحثين لهم عن مأوى، وفي غمرة ذلك كله لم ينشغل محمد اسحاق الذي يعمل بصناعة البراقع في أفغانستان بشيء سوى البحث لنفسه عن عمل آخر بعد الكساد الذي حل بصناعته مع زوال حكومة طالبان وموجة السفور التي عمت البلاد بعد أن خلعت النساء البراقع التي قلن إنها كانت مفروضة عليهن بالقوة، حيث كان يتم انزال أشد العقاب بكل من لا تلتزم بارتدائه مما أعاد صاحبنا صانع البراقع إلى الوضع الذي كان يعاني منه قبل مجيء طالبان عام 1996 عندما لم يكن يجد الكثير من الزبائن وهذه العادة آخذة في التراجع، إلاّ أنه مع وصول طالبان إلى الحكم أصبح محمد اسحاق عاجزاً عن ملاحقة الطلب على انتاجه وتلبية حاجة زبوناته. حركة المد والجزر هذه التي شهدتها المهنة التي لم يعرف غيرها اسحاق هي واحدة من المؤشرات التي أفرزتها الاحداث خاصة في مدينة مزار الشريف التي تعد أكثر المدن الافغانية ميلاً الى التحرر والأسلوب الغربي في المعيشة، حيث لم يكن يقبل على شراء البراقع قبل طالبان سوى عدد قليل من الرجال كبار السن الذين يفدون من خارج المدينة لجلبها لنسائهم اللواتي يعشن في القرى المحافظة بعيداً عن المدن. وكما انعكست الاحداث كساداً على صناعة محمد اسحاق فقد حملت الرواج لصناعات ومهن أخرى كانت تعاني من الكساد، وقد رأينا منها محلات الحلاقة التي اندفع اليها الرجال الملتحون فور انهزام طالبان من كابول حيث عملت المقاص والأمواس في اللحى التي لم تعرف حد الشفرة على مدى سنوات خمس كان العقاب يحل خلالها بكل من يجرؤ على حلق لحيته. اما صالونات التجميل النسائية ومحلات تصفيف الشعر فقد اعادت فتح أبوابها التي كانت مغلقة في الحقبة الطالبانية التي فرضت على النساء الاكتفاء بالجمال الرباني الذي رأينا عينات منه بعد أن كشف بعضهن الخمار عن وجوههن، لاسيما اولئك اللواتي تقدمن للعمل مذيعات في التلفزيون الذي عادت له الحياة بعد أيام من سقوط كابول. في جانب اخر من السوق اندفع الناس الى شراء الاطباق اللاقطة لاستقبال القنوات الفضائية والانفتاح على العالم الخارجي بعد انغلاق دام خمس سنوات توقفت فيها عجلة الزمن داخل أفغانستان بينما كان العالم يضج بالحركة خارجها. وفي لقطات نقلتها لنا كاميرات المصورين ظهرت صور الفنانين والنجوم على واجهات محلات بيع أشرطة الكاسيت والفيديو، أما دور السينما التي كانت كابول وحدها تضم منها سبع عشرة داراً قبل الحقبة الطالبانية فقد أُعيد فتح واحدة منها لتشهد تدافعاً غير مسبوق من قبل الافغان على مشاهدة الافلام التي كادوا ينسون أشكال ابطالها. وفي أنحاء متفرقة من البلد الذي طحنته الحروب على مدى عشرين عاماً انطلقت حلقات رقص وغناء في الساحات العامة شارك فيها ـ راقصين ومتفرجين ـ المئات من اولئك الذين حرموا من التعبير عن مشاعرهم حتى ولو كان ذلك على شكل رقصات فلكلورية لا مجون فيها ولا إسفاف. لقطات ركزت عليها أجهزة الاعلام الغربية وانساقت وراءها اجهزة اعلامنا العربية التي أنهكها الجري واللهاث وراء الخراب والدمار اللذين خلّفهما القصف المتواصل لهذا البلد الذي غدا بين عشية وضحاها بؤرة اهتمام العالم ومهوى افئدة العاملين في اجهزة الاعلام ومحط انظارهم كي يصنعوا مجدهم الشخصي ويحققوا السبق للاجهزة التي يعملون بها حتى لو تعرضوا للخطف والاحتجاز والتحقيق والمحاكمة كما حدث لبعضهم او كانت حياتهم هي الثمن كما حدث للبعض الآخر. رُب قائل يقول انها مظاهر سطحية بسيطة، وهي مقولة قد نتفق عليها ولكننا لا نستطيع ان ننكر انها مظاهر ذات دلالات كبيرة تعبّر عن عمق المأساة التي تعيشها الشعوب عندما تلغي الحكومات رغبات المحكومين وتتجاهل احتياجاتهم الضرورية فلا تسعى الى تلبية هذه الاحتياجات في توازن ينأى بالسلطة الحاكمة عن الغلو في تطبيق الاحكام ويحفظ الشعب من التفريط بالمباديء والقفز فوق القيم والمعتقدات التي تقوم عليها دعائم الحكم. وكي لا نختلف على امر كهذا دعونا نبتعد عن القشور التي تحدثنا عنها اذا صح ان نطلق عليها قشوراً، ولنغص في لب المشكلة ونبحث عن مظاهر اخرى ربما لا نختلف عليها وعلى انها تعطينا مؤشرات حقيقية عن مأساة بلد لم يكن على مدى السنوات العشر الماضية يحظى بأي اهتمام او يفكر صحفي من صحيفة مغمورة في حمل اوراقه وكاميرته والسفر إليه ولو من باب الفضول او الرغبة في اكتشاف المجهول. من الاخبار التي حملتها الوكالات إلينا وشاهدناها على شاشات التلفزيون توجه العديد من الفتيات الافغانيات الى المدارس حيث سمح لهن للمرة الاولى وقد تجاوز بعضهن السابعة عشرة بالعودة الى صفوف الدراسة بعد العطلة الاجبارية التي فرضت عليهن طوال خمس سنوات منعن خلالها من طلب العلم، وقد سارعت آلاف الفتيات والصبايا الى الفصول حيث كان عدد الفتيات في حي واحد فقط هو حي «الفاتحة» بوسط كابول 750 فتاة مقابل 100 طالب. وقد خلعت التلميذات والمعلمات البراقع في جو مرح علته الضحكات التي لم يتعود الاجانب سماعها حتى الآن (على حد تعبير وكالات الأنباء). إحدى المعلمات قالت ان المشكلة الاولى تكمن في تعليمهن قواعد المدرسة لأن العديد منهن لم يذهبن ابداً الى قاعات الدراسة، ونسيت الاخريات ذلك طيلة خمس سنوات. اما احدى الطالبات فقد قالت: «انني سعيدة جداً بالعودة الى فصول الدراسة حتى يكون لي صديقات اتحدث معهن.. يا الهي كم انا سعيدة!». صانع البراقع ذاك الذي بارت صنعته فطفق يبحث عن مهنة اخرى، وكراسي الحلاقين التي لم تعد شاغرة بعد ان عاد للجلوس عليها ذوو اللحى، وصالونات التجميل التي عرفت النساء الطريق اليها مرة اخرى، ودور السينما التي عاد اليها الصخب وتزاحم على ابوابها الرواد. كل هذه الصور التي ركزت عليها عيون الكاميرا ربما لا تكون سوى الجزء الذي يظهر لنا من جبل الثلج طافياً فوق السطح، اما الجزء الاعظم منه فهو ذلك المغمور في الماء لا نعرف حجمه ولا نستطيع ان نتصوره، ولا نعلم متى وكيف سينكشف لنا. واخشى ما نخشاه هو ان نصطدم به على حين غرة وفي توقيت لم نحدده نحن، وعندما نفقد ادوارنا كمتفرجين وننتقل الى قلب الحلبة فلا تعود هناك اي جدوى لكل هذا الذي نتحدث عنه ونتفق عليه او نختلف حوله.