اذا أفضى التأزم الراهن المتصاعد بين الهند وباكستان الى حرب فانها ستكون الحرب الرابعة بين البلدين المتجاورين، وفي المستقبل قد تشتعل حرب خامسة وحرب سادسة طالما بقيت قضية النزاع الجذري ـ مشكلة مصير كشمير وشعبها ـ بلا حل نهائي. ان رقعة كشمير الارضية ظلت لمدى نصف القرن الاخير مشطورة الى قسمين: قسم تحت السيطرة الباكستانية والآخر تحت السيطرة الهندية. والخط الفاصل بين القسمين الذي يطلق عليه «خط المراقبة» ليس خطا للحدود الدولية بالمعنى القانوني، انه اقرب الى خط هدنة. فور اعلان استقلال الدولتين في عام 1947 بعد تقسيم شبه القارة الهندية الى كيانين مستقلين على اساس ديني بحت، كيان هندوسي يطلق عليه «الهند» وكيان مسلم يطلق عليه باكستان، اندلعت اولى الحروب بين الدولتين الجديدتين بسبب اقليم كشمير. لقد نص مبدأ التقسيم الديني الذي اتفق عليه رسميا القادة السياسيون على الجانبين مع الادارة الاستعمارية البريطانية، على ان تتكون الدولة الهندية الجديدة من مجموع الولايات ذات الاغلبية الهندوسية والدولة الباكستانية من مجموع الولايات ذات الاغلبية الاسلامية . والسؤال الذي يبقى ساري المفعول حتى يومنا هذا: لماذا لم تضم ولاية كشمير التي يمثل المسلمون فيها الاغلبية الساحقة من السكان الى باكستان؟ لقد طمع القادة الهنود عند الاستقلال في ضم كشمير الى الدولة الهندوسية بالنظر الى موقعها الاستراتيجي العام، نسبة الى توسطها الجغرافي بين الصين وافغانستان وروسيا. ولاسباب غامضة تواطأ قادة الادارة البريطانية في ايامها الاخيرة مع الزعماء الهندوس في ترتيبات ضم كشمير الى الهند. كان هذا اول خلاف بين الدولتين الجديدتين وهو الذي افضى الى اولى الحروب بينهما عند اواخر عقد الاربعينيات، وكانت نتيجة هذه الحرب استحواذ باكستان على جزء من ارض كشمير هو الذي يحده الآن «خط المراقبة» اي الخط الذي توقف عنده القتال بعد ان استجاب الطرفان لقرار من مجلس الأمن الدولي لوقف اطلاق النار. لكن التدخل الدولي لم يتوقف عند هذا الحد. فقد اصدرت الامم المتحدة قرارا تاريخيا يقضي باجراء استفتاء عام لشعب كشمير ليقرر مصيره الانضمام نهائيا اما الى الهند او الى باكستان. والقوى الدولية الراهنة التي تتدخل اليوم لمنع تطور التأزم الهندي الباكستاني الحالي الى حرب عليها ان تلتقط الخيط من ذلك القرار الدولي التاريخي اعمالا لارادة الشرعية الدولية. ان اختزال القضية في مشكلة امنية عابرة فيه ظلم للحقيقة وظلم للشرعية الدولية وظلم للشعب الكشميري .. وبالتالي لن يساعد في حل القضية، ولهذا اندلعت حرب ثانية بين الهند وباكستان في عام 1965 وثالثة في عام 1971. وعلى مدى الاربع والخمسين سنة الاخيرة لم تزدد قضية كشمير الا تعقيدا فالرفض الهندي لقرار الامم المتحدة التاريخي ادى لتطور التذمر الشعبي الكشميري الى مستوى كفاح مسلح. والحلقات التفاوضية بين الحكومات المتعاقبة في كل من الهند وباكستان لمدى عقود متصلة لم تثمر تسوية سلمية لانه مع رفض قرار الامم المتحدة ليس هناك مرجعية تفاوضية متفق عليها. ثم ان الهند ترفض التفاوض مع المنظمات الكشميرية لانها تعتبرها كيانات ارهابية خارجه على القانون. ان القوى الدولية تطالب الآن الطرفين الهندي والباكستاني «بضبط النفس» وقد تستجيب كل من الحكومتين لدواعي الضغط الدولي لتفادي اشتعال حرب. لكن احتمال اندلاع الحرب بينهما يبقى قائما على الدوام، طالما ظل الكشميريون يواصلون كفاحهم من اجل تقرير المصير.