بدأ عام 2001 على نحو مرتبك، وبدا منذ البداية ان تلك السنة لن يقدر لها ان تكون عاما طيبا، ففي واشنطن شهدت بداية العام مؤشرات تنذر بحدوث مشكلات على الجبهتين الامريكية الداخلية والدولية، فقد كانت انتخابات الرئاسة الامريكية لا تزال محلا لبعض الجدل فلم يتم حسم الصراع على الرئاسة، والذي كان يعد الاكثر احتداما في تاريخ الولايات المتحدة، الا عن طريق قرار من المحكمة العليا قبل اسابيع قلائل من بداية العام. وتسببت القلاقل والاضطرابات التي صاحبت عملية التصويت والارتباك الذي شاب قرار حسم المعركة الانتخابية في انقسام الرأي العام الامريكي والامة بشكل عام. فقد كانت لا تزال هناك حالة من الغضب تنتاب عددا كبيرا من المنتخبين بينما كان الرئيس المنتخب في تكساس يقوم بتحديد اسماء اعضاء حكومته والاستعدادات كانت تمضي على قدم وساق في العاصمة من اجل التحضير لعملية التنصيب. وفي الشرق الاوسط كانت الانتفاضة الفلسطينية قد دخلت شهرها الرابع، في الوقت الذي كانت موجات العنف تتضاعف وترتفع اعداد القتلى من الفلسطينيين الى مستويات مروعة وبشكل يغتال جميع آمال السلام. وفي الايام الاخيرة من ادارة كلينتون، قدم الرئيس الامريكي خطته وتصوره من اجل السلام في الشرق الاوسط، والقى خطابا وعد فيه الفلسطينيين بدولة لهم عاصمتها القدس وفي الوقت ذاته كانت اسرائيل في خضم معركة انتخابية مصيرية فيما كان المفاوضون الفلسطينيون والاسرائيليون منشغلين في محادثات الدقائق الاخيرة في مدينة طابا المصرية يحاولون ردم الهوة بينهم، وذلك قبل ان يقرر الناخبون الاسرائيليون ان يغيروا مسار دولتهم الى اتجاه جديد. وذهبت جهود المفاوضين ويا للحسرة ادراج الرياح، حيث فقد باراك تأييد الشعب الاسرائيلي على الرغم من انه كان لايزال يتمتع بالدعم الامريكي، فمع تغير اتجاه الرأي العام الاسرائيلي لصالح الاطراف اليمينية في الوقت الذي اصاب رئيس حزب العمل مؤيديه وانصاره بحالة من الاحباط بسبب اسلوب حكومته الحافل بالاخطاء بدا شارون وقد كلل بالفوز وكان توقف مباحثات طابا بسبب الانتخابات علامة على نهاية المفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية في اطار اتفاق اوسلو. ومع حلول يناير 2001 بدأ الاقتصاد الامريكي يفصح عن اولى مؤشرات التراجع فقد بدأت نهاية اطول فترة ازدهار اقتصادي في التاريخ الحديث. وعلى الرغم من المؤشرات المبكرة التي كانت تنم عن حدوث انكماش ملحوظ فقد استمرت اجواء الثقة واضحة وكان لم يزل هناك من الخبراء من لا يزالون يتوقعون حدوث تحول جذري في الاحوال مع نهاية العام. وعلى الرغم من مؤشرات التحذيرات التي كانت جلية على المستويين المحلي والعالمي فقد استمرت نزعة التفاؤل لدى الرأي العام الامريكي في رسم ملامح السياسة الامريكية، فمنذ عهد الرئيس رونالد ريجان حتى عهد ادارة كلينتون شهد الامريكيون تحولات دراماتيكية وايجابية عديدة في داخل عالمهم، فقد كللت الولايات المتحدة بالنصر في الحرب الباردة واصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم، واستطاعت ايضا ان تخرج منتصرة من حروب حاسمة ضد العراق وجمهورية الصرب، واصاب الوهن والضعف والفقر الاعداء القدامى، مثل كوريا الشمالية وكوبا. وتم التوصل الى صيغة سلام في ايرلندا الشمالية وتوقيع عدد من اتفاقيات السلام في الشرق الاوسط. ومع نهاية عام 2001 لم تفصح سوق الاوراق المالية الامريكية عن اي مؤشرات على التراجع، واستمرت على نموها المتواصل. وعم الرخاء ملايين المواطنين وحتى هؤلاء الذين لم يكن قد حققوا نجاحا بعد ان كانت لديهم آمال في انهم ايضا سوف تكون لهم القدرة على ارتقاء درج الرخاء. ومع وجود فائض متوقع لميزانية العقد المقبل بشكل لم يسبق له مثيل من التاريخ الامريكي، كانت المناقشات المالية الامريكية تدور حول كيفية انفاق هذا الفائض الهائل، فانصار الحزب الجمهوري الذين كانوا يدعون الى حكومة اصغر، حاولوا ان يخفضوا من حجم الضرائب حتى يعود الفائض الى الناخبين الامريكيين بينما كان الديمقراطيون من ناحية اخرى يرون ان الرأي الاكثر صوابا وحكمة هو سداد الدين الامريكي البالغ ترليون دولار، الذي تراكم من مرحلة ريجان بسبب خفض الضرائب، بجانب تخصيص جزء من الفائض لتنفيذ عدد من البرامج الاجتماعية التي يحتاجها الشعب. وكان هذا هو السياق الذي مثل محور حديث العام وسيطر على الاجواء في الولايات المتحدة مع بداية حكم بوش عام 2001. وبفضل سيطرته على الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ، استطاع بوش في البداية تمرير اقتراح خفض الضرائب. ومع تفاقم التراجع الاقتصادي، تدنت معاملات سوق الاوراق المالية ووصل الاقتصاد الامريكي الى حالة من الركود، وتحول الحديث من فائض ميزانية الى الحديث عن توقعات بحدوث عجز، ومع فقد الجمهوريين للسيطرة على مجلس الشيوخ لصالح الديمقراطيين، اشتعلت المناقشات الحزبية على الساحة الامريكية، فيما اصر الديمقراطيون على تحدي سياسات بوش الاقتصادية في مرحلة الاستعداد لانتخابات 2002. وفي نطاق الشئون الخارجية شرع الرئيس الامريكي مبدئيا في انتهاج اسلوب بدا جديدا تماما، فقد حاول ان يطور العلاقات مع المكسيك وكندا، في الوقت الذي كان يحاول ان يتصرف بشكل اكثر انفرادا في المناطق الاخرى من العالم. وتسبب اعلان الادارة عن عزمها على التخلي عن العديد من المعاهدات والمواثيق الدولية في احداث قدر من التوتر حتى مع اقرب حلفائها الاوروبيين اليها. وفي الشرق الاوسط اعلنت الادارة الجديدة انها بصدد السعي وراء دعم اكبر اكثر تشدداً ضد العراق وفي الوقت نفسه تنأى بنفسها عن الدور الدبلوماسي النشط الذي كانت تقوم به ادارة كلينتون على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي. وكان كلا الامرين سبباً في احداث نوع من الاحباط في منطقة الشرق الاوسط ومزيد من الضغط على العلاقات الامريكية ـ العربية. ومع استمرار هذا الموقف الامريكي حتى منتصف العام، تأزم الموقف، فقد اتجهت الاوضاع داخل الكونجرس الامريكي نحو التأزم بشأن موضوعات عديدة، وعانى الموقف والمركز الامريكي على الصعيد الخارجي، وكان الموقف متأزما بالفعل في الشرق الاوسط. ثم حدث ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر. وكان للهجمات تأثير عميق على النفسية الامريكية واحدثت قدراً كبيراً من التغيير في توجهات الشعب الامريكي، فقد تحطمت اسطورة الامن الامريكي وانتهت حالة الثقة والتفاؤل بشأن القدرة الامنية الامريكية وافرزت حالة اللااستقرار الجديدة هذه العديد من النتائج على المستويين السياسي والاقتصادي كليهما. وكان للهجمات التي شهدها الحادي عشر من سبتمبر تأثير فوري على الاسراع بخطى الانكماش الاقتصادي. ومع استمرار عدم حسم الازمات المتعلقة بصناعة السياحة والطيران والحدود، ربما ستكون هناك تغييرات هيكلية طويلة الاجل ستطال الاقتصاد ايضا على المدى البعيد. وفي اعين العديد من الامريكيين يبلو الرئيس بوش شخصيا بشكل عام بلاء حسناً بكل المعايير فقد تسببت حالة الافتقار للامن والغضب الناتجة عن هجمات سبتمبر في حالة من التأييد للرئيس، فاستطلاعات الرأي تصب في صالحه، واغلبية كبيرة من الامريكيين يؤيدون ما يقوم به. وفي ضوء استمرار المخاوف الهيكلية التي كانت موجودة قبيل الحادي عشر من سبتمبر، فإن السؤال الآن هو: كيف يستطيع الرئيس الامريكي استغلال تأييد الشعب له في معالجة المشكلات الجسيمة التي تواجه البلاد؟ وهل سيقوم بذلك فعلا؟ فالقضايا التي كانت تسيطر على المناقشات المحلية مع بداية العام لم تعد تناقش إلا نادراً، فقط طرحت جانباً وذهبت ادراج الرياح قضايا الانتخابات والاصلاح المالي، والضمان الاجتماعي وقضايا الرعاية الصحية وعملية خفض الدين المحلي والسيطرة عليه بينما سيطرت قضايا الدفاع والامن القومي على جميع الاجواء، واصبحت هي الشغل الشاغل للادارة. بالمثل لاتزال القضايا العالمية التي كانت موجودة قبل احداث سبتمبر تنتظر الحل. وبينما استطاعت امريكا ان تؤمن دعماً دولياً مبدئيا لها، فإن اجواء التوتر بدأت مرة اخرى في الظهور حتى على صعيد العلاقات مع حلفائنا الاوروبيين. و اذا استمر التقدم في الموقف في افغانستان وفي الحملة ضد تنظيم القاعدة اذا استطاع الرئيس الامريكي ان يستفيد من المركز القيادي لامريكا في حل صراع الشرق الاوسط، فإن بوش، ربما يمكنه ان يحتفظ بالتأييد الذي يحظى به الآن وتستطيع امريكا ان تحتفظ بالتأييد الدولي الكبير لها. غير ان التأكيد والتركيز الزائد عن الحد على النزعة الاحادية من التصرف، او حدوث تغير سلبي في العلاقات الدولية، او استمرار سوء احوال الاقتصاد الامريكي أو حدوث فضيحة ما أو صعوبات غير متوقعة على المستوى المحلي، كلها امور يمكن ان تؤدي الى ان يعاني الموقف الامريكي ويتأثر اداؤه. وهنا في امريكا تنتهي سنة 2001 بزيادة من اجواء الافتقار الى اليقين وعدم الوضوح وامكانية اكبر في حدوث صعوبات بشكل اكبر مما مضى. ان الامة الامريكية استطاعت ان تنهض وتستعيد عافيتها من الصدمة العنيفة التي اصابتها وابدت تصميماً كبيراً على الصمود ودعماً كبيراً لرئيسها، ولكن على الرغم من هذه القوة والمرونة اللتين تتمعان بهما الدولة فإن مؤشرات التحذير لاتزال باقية، فهناك قضايا يتعين علاجها على المستوى المحلي والدولي حتى يمكن ان يكون عام 2002 افضل من سابقه.