تضيق بنا الأرض، تحشرنا في الممر الأخير، فنخلع أعضاءنا كي نمر نسير إلى بلد ليس من لحمنا، ليس من عظمنا مازال في الدرب درب، مازال في الدرب متسع للرحيل نسافر كالناس: لكننا لا نعود إلى شئ، أصبحنا نعانق قاتلنا كي نفوز برحمته هنالك ليل أشد سوادا، هناك ورد أقل، لم نعد نودع فقط ما فات، وما مات، بل أصبحنا نودع ما سوف يأتي أيضا، لكننا رغم ذلك كله نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا. كان ديوان شعر محمود درويش، ورد أقل يبوح بهذه المشاعر المتفجرة بالأشواك والآلام وهو يغالب النعاس والاستسلام ونحن نتابع معا ياسر عرفات وهو يواجه زمنا باع فيه ارييل شارون كل أنبيائه ليشتري قنبلة عنقودية، وباع كل شعرائه ليشتري جهاز فيديو وقايض كل وردة تصادفه في طريقه بحذاء أسود ثقيل يقدمه هدية (بابا نويل) في الكريسماس لجنود جيش الدفاع الإسرائيلي. كان أبو عمار يحاول السفر إلى بيت لحم ليشارك أبناء المسيح في أعياد الميلاد، في تلك الليلة لم ينتبه الزعيم الفلسطيني إلى أن القمر كان يرفض الظهور في السماء، وأنه أخرج خوذته المعدنية ليضعها فوق رأسه خوفا من رصاصة طائشة تطفئ نوره، ولم ينتبه إلى صوت فيروز وهي تغني أو تتوجع (الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان، يبكيان) لم ينتبه إلى أننا في عصر الفورمايكا وتأجير الأرحام والإيدز السياسي والتلوث البشري الذي لم يترك قلبا أخضر ولا حرفا أخضر إلا وسحقه وسوده وغطاه بالغبار، عصر يخاف فيه القلم من الاقتراب من ورقة، ويخاف فيه الرضيع من الاقتراب من ثدي أمه، ويخاف فيه الليل أن يمشى وحده في الشارع، لم ينتبه عرفات إلى أنه في زمن ووطن لا فضل فيه لعربي على عربي إلا بالقدرة على الخوف، والقدرة على البكاء. لقد حرموه من الصلاة في المسجد الأقصى، وحرموه من تذكر ميلاد السيد المسيح في بيت لحم، وحرموه من السفر إلى خارج المعتقل الكبير المحاصر فيه، جعلوا مساحة الحزن في حياته أكبر من مساحة الغضب فوق أوراقنا، أنهوا أيام التفاوض وأنصاف الحلول، أقنعوه بأن المستحيل أن يزرع السلام في أرضهم المالحة، أو إضرام نار الدفء في صدورهم الباردة، البليدة. بهذا المشهد تنتهي رحلتنا، رحلة أول أعوام قرننا الجديد الذي لم ينتظر طويلا حتى يخرج ما في جعبته من رغبات دموية متوحشة وخشنة، كان هذا العام من اليوم الأول خارجا عن الحياء، كأنه جاء من عراء إلى عراء، وقابل كل هدايانا الجميلة وتمنياتنا الطيبة بغباء، ولم يرحم أيدينا ووجوهنا التي رفعناها إلى السماء، ولم يمنحنا فرصة واحدة لنعبر عن أنفسنا بكبرياء، وتفجرت أنهار الشر ومشى العالم على بقع الدماء، وأجبرت أكثر الأنوف شموخا على الأبرياء،وتجرعنا الموت الجماعي والقهر الجماعي كالدواء، وفي ظل سيطرة الأقوياء والاثرياء على الضعفاء والفقراء وجدنا أنفسنا نعود ونتقهقر إلى الوراء، فلا جنة تلوح في الأفق، ولا ماء وتداخلت الأشياء وتشابهات ملامح الرجال والنساء. في بداية العام كانت الإنتفاضة الفلسطينية تواصل دق أبواب السماء لتحفر طرقا جديدة للحياة بعد أن سدت غطرسة شارون كل أبواب العدل وبعد أن ابتلعت قسوته كل وجبات الرحمة، كان كل شهيد فلسطيني يفجر نفسه بديناميت الموت يهتف تحيا الحياة، تحيا الحياة، كونوا فيما بينهم أسرابا من الفراشات الملونة الحالمة: لا يهمها أن تحترق، وإنما يهمها أن تضئ، وتبرق، وتبدد الظلام ولو لثوان، لقد كتبوا أسماءهم بالبخار الأحمر، وأكملوا النشيد بلحمهم، وغرسوا زيتونه ببراءتهم، على حد ما يمكن استخلاصه واستيعابه من قصائد محمود درويش. لقد سكب الشهداء الصغار دماءهم على أوراق الضعف التي توصف بأوراق التفاوض، مزقوا هذه الأوراق، وقلبوا المقاعد، ووجدوا معاهدة الإرتباط بالربيع بعد أن كان الكبار يتصورون أن منتهى الأحلام البقاء في الخريف، إن الشجرة تفقد أوراقها، والشفاه تفقد توردها، والأنوثة تفقد رائحتها، والقوة تفقد غطرستها، والطيور تفقد ريشها، والأنهار مجاريها، والطيور تفقد حناجرها، إلا الثورة من أجل الحرية، فهي ترفض أن تمر من ثقوب الذاكرة، وحين يقول الشهيد للموت (إنني لا أخافك) فإنه يؤكد أن في بطن كل إمرأة فلسطينية مستودعا من الذخائر والقنابل والأحزمة الناسفة. لقد خرجت فتاة فلسطينية صغيرة على عتبة المراهقة والأنوثة اسمها (ميرفت) لتتحدث ليلة دق أجراس الميلاد في بيت لحكم لتقول على إحدى المحطات الأخبارية الأوروبية: إنني ضد تحويل أحواض الزهور إلى خنادق، ولكن إذا أحرقت النار أصدقائي وأشقائي وشبابي وبلادي، كيف أمنع قلبي من التحول إلى البنادق ؟ وقالت جارتها في الفصل الدراسي واسمها سها: إن جنود شارون لم يفتشوا حقيبتي المدرسية فحسب بل أرغموني على خلع ملابسي وفتشوا تفاصيل جسمي بحثا عن قنبلة أيضا. وقال أمين متحف في القدس اسمه حسان: إنني فلسطيني وأمي وأبي وأجدادي وأبنائي أيضا، عشنا هنا ما لا يقل عن عشرة أجيال، من هم أولئك الذين يحرموننا من بيوتنا؟ إنهم غرباء، بعيون زرقاء، وشعر أشقر، لا يملكون سوى القوة، وما يأتي بالقوة يذهب بالقوة، ولو بعد حين. ولو كان عرفات لم يفقد في حياته في عام الفين وواحد كما كان متوقعا فإنه عاش محاصرا محروما من الراحة والنوم أكثر من ساعتين في اليوم. وقد تصورنا أنه نجا من اسلوب التعامل على طريقة الشتات وأصبح رئيسا لسلطة ستتحول إلى دولة، لكنه عاد ليشعر إنه لاجئ مطارد، على حافة الاغتيال، غير قادر على السفر إلى الداخل أو إلى الخارج، مخنوقا مثل شطائر السندوتش بين الناس في بلاده والقوى الباطشة في إسرائيل والقوة المهيمنة في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي ذلك العام نال شارون لقب سفاح السنة بلا منازع، وحصل على جائزة السلخ والذبح التقديرية، خاصة بعد أن قبض على سلفه البلقاني سلوبودان ميلوسيفيتش في 29 يونيو الماضي. لقد تربع شارون على عرش معتقل عسكري فيه غسيل دماغ وكسر عظام وجلد واغتصاب، فيه مصنع جاهلي حديث يعلبون فيه لحم البشر دون أن يسمحوا لهم بالحزن والبكاء. قبل تقديم ميلوسيفيتش للمحاكمة بعدة أسابيع أعدم تيموثي ماكفيه المتطرف الأمريكي الذي فجر مبنى الإدارة المحلية في أوكلاهوما ونفذ أكبر عملية إرهابية يقوم بها اليمين الديني في الولايات المتحدة، واليمين الديني في أي مكان وفي أي زمان يتصور أن العالم مستوطنة من الشرور والخطايا تحرم الأرض من رعاية السماء، أما الذي يعيد البركة فهو العنف، التفجير، والاغتيال، والزهور التي تصبح قنابل،والاشجار التي ترتدي الملابس العسكرية المرقطة والفطائر المعجونة بدماء الضحايا والأبرياء. إن أهم أحداث العام بلا نزاع هو الهجمات التي وقعت على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاجون في واشنطن في 11 سبتمبر، بل ان هذه الهجمات يمكن أن تكون أهم ما سيقع في القرن الجديد، وحسب ما نشرته مجلة نيوزويك فإن ما حدث يعني أنه يمكن إخضاع قوة حتى لو كانت عظمى والأكثر دقة أن نقول: يمكن إخضاع قوة ولو كانت القوة العظمى الوحيدة في العالم ووصف الروائي المغضوب عليه ما جرى بأنه: جعل الدنيا كلها ببحارها وجبالها وأنهارها وجيوشها وأثقالها مثل ريشة حمراء وحيدة في الهواء. لقد توقف العالم في ذلك اليوم عن التنفس تماما بحثا عن نفس واحد منسي في صدره فلم يجد، فجلس مثل نورس ضاع طويلا ينزف بين السؤال والسؤال، ولم يجد إجابة واحدة مقنعة مرضية تفسر له ما جرى ؟، وكيف جرى؟، ولاحت قلوع وطويت قلوع، وجاء متهمون وذهب متهمون، واشتعلت الأصابع العشر للتاريخ بالتوتر والقلق والخوف من أن يفوته شيء مثير لا يقدر على تدوينه. كان المتهم جاهزا، أسامة بن لادن شاب سعودي، جذوره يمنية، تسكع في لبنان، جاهد في أفغانستان، اختبأ في السودان، مد نفوذه إلى الصومال، تحالف مع رموز الإرهاب في أربعة أنحاء الدنيا، لعب بالبارود لعبة الخطر، لم يعد له وطن، عاش في كهوف بلا نوافذ، بلا شوارع، صار بالبندقية الآلية سريعة الطلقات يكتب ما يشاء، من منفى إلى منفى بحث عن ثقب صغير في الجدار، اخترع في خياله دولة ووطن وحدائق وطلال، لكنه في النهاية لم يجد مكانا ينتمي إليه سوى إمبراطورية البكاء والرثاء، وهي إمبراطورية لاتعرف أبجدية الألف والباء. أصبح ابن لادن نجم العام ورجل العام، اختارته مجلة تايم ليكون الشخصية الأكثر بريقا والأكثر إثارة للجدل على مستوى الكون، وطالب به الرئيس الأمريكي جورج بوش حيا أو ميتا لكنهم لن يحصلوا عليه حيا أو ميتا، فهو سيختفي ربما في كهف مهجور لا يرى الشمس والهواء، ربما تحت ركام غارة أمريكية فوق مدينة في أفغانستان، ربما في الطريق بحثا عن شربة ماء، لقد حولوه إلى أسطورة، والأسطورة يجب ألا يكون لها ملامح أو ظلال من الحقيقة، وإلا فقدت جاذبيتها وغموضها. أغلب الظن أن العالم سيظل لسنوات طويلة يطارد ابن لادن على طريقة دون كيشوت سنجد من يقول انهم شاهدوه يصلي الفجر في سيدنا الحسين وسنجد من ينكر ذلك ليؤكد أنه شاهده يرقص متنكرا في ديسكوتيك للشباب في نيويورك نفسها، ولن نتعجب لو خرجت مارلين مونرو من قبرها لتنشر خطابا غراميا كان قد أرسله ابن لادن لها وهو في المهد صبيا وسنحتاج لسنوات طوال حتى نعرف الحقيقة، وتذوب الاسطورة وتتلاشي وتفقد رونقها ووظيفتها، وقد حدث ذلك من قبل مع (جيفارا) و(أدهم الشرقاوي) و(روبن هود). لقد غطت هجمات سبتمبر التي إنتهت بالحرب في أفغانستان على كل الأحداث الأخرى غطت على زراعة أول قلب مستقل مصنوع من التروس والألومنيوم في صدر إنسان، غطت على وباء الإيدز الذي احتفل هذا العام بالقضاء على المريض رقم مليونين في أفريقيا، وهو نكوسي جونسون، وكان عمره 12 سنة، وقد قاوم الموت بهذا الداء اللعين طويلا، ليصبح رمزا لمقاومة من نوع آخر، وغطت تلك الأحداث على جنون الملياردير الأمريكي دينس تيتو الذي مول رحلة فضاء روسية شارك فيها بنفسه. وعلى ما يبدو لا يشأ هذا العام أن يحمل عصاه ويرحل دون أن يوصل الرعب إلى قلوبنا: لم يشأ أن يرحل دون أن يصيبنا بالقلق على العراق، الدور عليه على ما يبدو، سيتكرر سيناريو غزو أفغانستان ، ضرب مكثف بالطائرات، غزو بري بقوات تركية على غرار ما فعلته قوات التحالف الشمالي في أفغانستان، ثم دخول القوات الأمريكية إلى بغداد، ويقدر عدد القوات الأمريكية التي ستشارك في العملية بنحو 100 ألف جندي، وإن كان الجنرال بول ميكو قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط يرفع عدد هذه القوات إلى 170 ألفا، ولا تحتاج عملية العراق إلى تبرير، فنحن في زمن الضرب أولا ثم البحث عن دليل فيما بعد، ولو بين ركام المعارك، كما حدث في الشريط الذي عرضه البنتاجون دليلا على تورط ابن لادن وعثر عليه في أحد كهوف أفغانستان. لقد أخرجت الحرب في أفغانستان العالم الإسلامي، وستخرج الحرب في العراق العالم العربي، ستتكسر سيقان النخيل في الرمال، وسيرحل الكل خائفا إلى الشمال، وسنفقد الحقيقة كما فقدانا الخيال، سنصبح مثل طفل ضائع في الزحام، لا يعرف أين ينام، ونسي القدرة على النطق وترتيب الكلام، فلم يعد حولنا أمان أو سلام. لقد وسعنا في وطننا العربي الممتد من الماء إلى الماء رقعة الشتات، وهذه نتيجة غير مستغربة لبشر أدمنوا الكلمات، نسوا شطائر الحب والخبز والحرية وتفرغوا للمفردات، والذكريات، بعد كل هذا العمر من الكلام انفجر الوطن وفقدنا الثياب، فهل حافظنا على أن نكون خير أمة أخرجت للناس ونحن قد عدنا إلى مرحلة البيبرونات؟ لقد كان العام الذي نودعه عاما مؤلما قاسيا، لكنني أتمنى أن يبق معنا ولا يرحل، فبشائر العام الجديد لا تسر، على أننا لا نملك إيقاف عجلة الزمن، ولا نملك سوى أن نقول: كل عام ونحن بخير، كل عام ونحن قادرين على البقاء، وليكفينا الله شر الفناء. ـ كاتب مصري