المنجمون في الزمان القديم كذابون حتى ولو صادفت تنبؤاتهم الحقيقة، فهم في النهاية يضربون الودع ويصطادون من قراءة الواقع والنبش في مقارنات الماضي والربط بين هذا وذاك، ما قد جرى في الزمان القديم وما قد يجري على شاكلته.. المنجمون الجدد من الذين يشتهرون هذه الايام في العالم منجمون كذابون ولكن أكثر ذكاء من السابقين في مسألة الاقناع، فبعد ان دخلت لعبة الابراج والافلاك في ذاكرة الكمبيوتر وارتبطوا بالشبكة العالمية للانترنت وصارت المعلومة التي يحتاجونها بين اصابعهم وفي لمح البصر فان تنجيمهم قد لا نقول عنه انه يقترب من الصدق، بقدر ما هو يقترب من الاحتمالات الاكثر حدوثا، فالغيب في علم الخالق وحده وهو عليم بالعباد. توقعات المنجمين الذين عادة ما تنشط خيالاتهم عند نهاية كل عام، او حزمة زمنية لعبت هذه المرة على الاحداث السياسية الساخنة التي حضرناها طيلة ايام العام الذي يكاد ينصرم، ولعبت على امور اخرى كانت مثار الاهتمام، فصراع عرفات مع الجزار شارون جاء في الاولوية حيث توقع المنجمون ان يحقق النضال الفلسطيني مراده، وان القدس ستكون لنا، وان شارون سيؤول الى بؤس ليس له مثيل. ويتوقع المنجمون انه فيما اذا وافقت القمة العربية تاريخها الناجح الذي يفترض ان تنعقد فيه فانها ستحقق السعادة للشعوب العربية، اما اذا اخطأت ميعاد الاجتماع الفلكي فانها ستكون كارثة على شعوبها. ويقول المنجمون ان علينا ان ننتظر 260 عاما ليعاد التوازن الانساني على الارض وتطبق الصين على أمريكا وتمنع امتداد اخطبوطها العسكري والاقتصادي على العالم.. ونعلم ان هذا التنجيم فاشل وباطل لان بعد هذه السنين المطلوب انتظار تعديها سيأتي منجمون اخرون يقلبون الحسبة على هوى تخيلاتهم.. حسبة المنجمين هذا العام لم تغفل المرأة ايضا باعتبار ان مواضيعها ما زالت عالقة وما زالت منظمات الرفق بها تعمل جادة من اجل مكانة محترمة لها بين عالم الرجل الاناني، فيذهب المنجمون في تخيلاتهم الجديدة الى ان بعد 260 سنة سيعلو شأن المرأة، بمعنى انها ستنال كامل حقوقها المحرومة منها.. ولكن ايضا أي نساء ومن أي نوع سيكون هناك في ذلك الزمن البعيد.. بعد 260 عاما. «كذب المنجمون وان صدفوا» هذا ما لزم قوله عند سماع أي ضرب من التنجيم، لكن يبدو ان المنجمين هذا العام، لم يعتمدوا على تواريخهم ودراسة افلاكهم وضرب الودع على طريقة «الغجريات»، وانما هم وكما يبدو قد ذهبوا الى قراءة ما يدور في احلام وامنيات كل انسان بسيط على سطح البسيطة وعزفوا على وتره المعذب. فمن لا يريد لشارون بئس المصير نكاية لما فعله ويفعله بالابرياء، ومن لا يريد ألا تتسلط دولة واحدة على العالم وتفرض احلامها على احلام الاخرين، ومن لا يتمنى ان تأخذ المرأة مكانها الصحيح، والدرجة التي عندها يحتفى بعقلها وروحها قبل جسدها.. ومن لا يريد قمة عربية تحقق احلام الشعوب العربية وتمسح عنهم شحوب الحزن الذي طال وسرّب اليأس الى الارواح؟.. من؟ halyan@albayan.co.ae