محطة للتذكّر هي .. أم مناسبة للنسيان؟! تلك هي ليلة 31 ديسمبر.. وفرادتها انها رأس للسنة وليست ذنباً لها، لذا تذهب رؤوس باتجاهها، وتطرح ملايين الأسئلة في حضرتها: أين تسهرون؟ وفي أي الأمكنة تستقبلون عاماً جديداً من حياتكم؟ وما أمانيكم، وبما تحلمون أن تكون عليه أيامكم في المقبل المحاط بالظنون والآمال المعلقة؟ ثم ماذا في العام 2002؟ سؤال لكل الأحوال.. وسواء اخترنا إجابة الفلك، أو أننا ذهبنا بعيداً في الواقع، كلا الخيارين يؤديان النتيجة نفسها، لا لشيء يسد ظمأنا لمعرفة ما ينطوي عليه المجهول الآتي نحونا كسراب. كل ما في الأمر اننا مضطرون للنسيان.. للتسلية بغية ملء الفراغ الرهيب الذي يحيطنا من كل جانب، إما بوصفنا أفراداً مبعثرين أو بكوننا جماعات موحدة في كل وطن وأمة. ولعل الناس في بلادنا وتحديداً منهم غير الواثقين مما يتلقونه من محطات الاذاعات والتلفزة والصحف وغيرها من وسائل الاعلام، باتوا ميالين اكثر إلى من يمنحهم أكاذيب بيضاء كبيرة على أعتاب رأس السنة الجديدة، كأن حاجتهم إلى حميد الأزري وماجي فرح وغيرهما من محترفي التنجيم أكبر بكثير من حاجتهم إلى اشارات رأس الدبلوماسية الأمريكية كولن باول الغامضة وتحركات غيره من مبعوثي «السلام» التي تملأ فضاءات الشرق الأوسط. لا جواب على المستحيل، ربما هذه هي الحقيقة الوحيدة التي نقرّ بها ونعترف، ومع ذلك فليس لنا إلا ان نحاول قلب هذه الحقيقة، لكي نشعر ببعض الأمان. أحيانا يتساءل الكثير من الناس في قرارة أنفسهم: لماذا قبل ان نقرأ صحف الصباح نفتح فوراً على صفحة الأبراج؟ هكذا.. بكل عفوية، ولم يجد أي واحد من هؤلاء تفسيرا مقنعاً بعد . نقع في لعنة المجهول، لأن قدرنا في الأصل، كان الانصياع لروزنامة الزمن فعلى رأس كل عام لا نملك إلا الحيرة، ونسأل: ماذا يخبئ لنا هذا القادم إلينا كوهم؟ ثم مالنا وهذه اللعنة التي اسمها المجهول؟ تجيئنا على حين بغتة، تارة تحمل إلينا الخوف، وتارة أخرى تبعث فينا فرحاً لا عهد لنا به، وأحياناً تمسك بأعصابنا وبصائرنا إمساكاً، نكاد معه نمسك عن السلوك السويّ، كأننا في مثل هذه الحال، حكمنا على أنفسنا بالتأرجح بين ضدّين: التفاؤل والتشاؤم.. أو بين الوقائع العنيدة للحياة وآمالنا التي حيينا عليها وما استطعنا إليها سبيلاً. ليلة للتذكّر هي.. أم ليلة للنسيان..؟ وبالتالي ما الذي ينطوي عليه الاحتفال بأفول عام؟ ثم أليس ذلك اضافة إلى رصيد الخسارات؟ وهل مرد ذلك لأن الناس بغرائزهم يرنون دائماً إلى خلع العام الفائت بحماسة طاغية، منطلقين من شماتة ما أو سعي للتخلص من أحزان وتوسّل لغبطة مقبلة؟ ربما يكون الناس سعيدين بخلع عام مضى كما يخلعون الملابس والأحذية، ويستبدلون ما فات بلا مبالاة كمن يستبدل ربطة العنق أو الحقيبة القديمة ويلقون بالعام الراحل مثل كيس فارغ في الفناء الخلفي لذاكرتهم. وفي لحظة ليست كاللحظات تشتعل قلوب الناس فرحاً على امتداد خطوط الطول ودوائر العرض وبين قطبين متجمّدين وفي محاذاة استواء وحافة مدار. يُطربون لولادة عام اخترعوه اختراعاً وقاموا بتفصيله على مقاسهم، عاماً شريداً، يطلقون عليه اسماً حركياً «2002» ليعرفه رفاقه في منظمة الأعوام. بحركة غريزية يتوجه المتلهفون للسهر إلى أمكنة بُحّت أصوات المعلنين لتكرار الدعوة إليها، وما ان تدق الساعة الثانية عشرة حتى تشح قليلاً قواعد السلوك الاجتماعي المتعارف عليها وتتبدل الوجوه، وتتغير الملامح كاشفة عن حقائقها الداخلية بلا مواربة أو أقنعة! وربّما تكون إحدى فضائل هذه الليلة «الأثيرة» لدى الكثيرين، انها تعيد تنقيح فصول السيناريو الاجتماعي، وتسعى لتشذيب حدّة الفوارق الطبقية فيتساوى المثقف والأمّي والغني والفقير في لحظة تفصل بين عام يرحل وآخر يأتي. بل ربّما انه سحر الثانية عشرة لا يزال يمارس طقوسه التأثيرية المحيّرة منذ أيام «سندريلا» ومثلما تنسى البنت الفقيرة حذاءها في بلاط الأمير وتهرع مسرعة على سلم قصره لتختفي في عتمة الليل، فإن الناس ينسون رؤوسهم في السنة الفائتة بين جدران أربعة أو في مواكب متراصة من السيارات والمحركات والهياكل المعدنية التي تهدر فوق أسفلت الشوارع في مشهد أقرب إلى الهستيريا الجماعية. .. فصل لا تختتم إلا به مسرحية رأس السنة وفانتازيا عبثية تلامس حدود الخطر. ويبقى الأمل ان يطلع فجر العام الجديد على كوكبنا الجميل بعيداً عن أنهار الدم والدموع. Email: ismail_haidar@yahoo.com