عندما قالوا في الأمثال قديماً ان الفنون جنون، أو عش رجباً تر عجباً لم يخطئوا، ولم تأت كلماتهم عبثاً، فالحياة اليومية المتواصلة تثبت لنا بما لا يدع مجالاً للشك، أن اصحاب المواهب قلبوا السائد والمعتاد، في كل المجالات، والميادين، بعد أن تحولت الكفة وانقلبت تماماً لصالح العولمة وما جرّته إلينا من انفتاح كلّي على العوالم الأخرى، وبعد أن تطورت الأفكار وتواصلت الدول تكنولوجياً، وانتفت الحاجة إلى البحث المضني عما تخبئه الحدود والفواصل، وبعد أن أصبح الساتر الذي يقف خلفه الآخرون شفافاً وقابلاً للكسر فتواصل العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه من حيث لا نحتسب. وبلغة شفيفة أخذت رياح التغيير تهب من كل صوب وحدب ولم تستثن أو تعتق أحداً ومع هذا التغيير تبدلت أشياء كثيرة وتواصلت أشياء أخرى أكثر إثارة ولم يبق سوى صوت قديم هنا، وبحّةٌ هناك! وحتى لا أرتدي عباءة التغيير هكذا دون حساب أشير إلى أن الفن والشعر والأدب والرياضة والأزياء والطبخ والذوق العام وغيرها من الأشياء المعاشة بتفاصيلها الدقيقة قد تغيرت من جراء ذاك الهبوب اليومي المتواصل والذي يحاصرنا في كل مكان، في الإعلام، في السياسة، في الاقتصاد، في الاستهلاك اليومي، في الاعلانات، في سوق السمك والخضار، في الإذاعة، في المحطات الفضائية، في المقاهي، في كوب الشاي أو الكابتشينو... وهنا قد نتفق أو نختلف ولكن علينا أن نعترف أن أمام هذا الزحف لن يقف أحد مهما أوتي من قوة، ومهما كانت المحاولات والاستماتة، فرياح التغيير تهب على الجميع بدءاً من بائع البطاطا وانتهاءً بأصحاب الملايين. ولأن الهبوب تأتي من الجهات الأربع دون استثناء ألتقط جهة بعينها وأتواصل معها، فهبوب العولمة تأتي هذه المرة مرتدية وجه الانترنت الذي بدوره قلب جميع الوجوه التقليدية، فقد أتاح عالم الانترنت الفرصة للعديد من الطفيليين بأن يحتكروا استخدام شخصيات اعتبارية لإنشاء مواقع تحمل أسماء هذه الشخصيات، وذلك بهدف الترويج السريع للموقع ومحتوياته التي تخالف تماماً هوية الشخصية، وفي السنوات القليلة الماضية دفع بعض المشاهير مبالغ مالية من أجل استعادة اسمائهم بمواقعها على الشبكة حماية لهم، وفي هذا الاطار ربحت الممثلة الأمريكية جوليا روبرتس معركة قضائية تمنع بمقتضاها أي شخص آخر بإطلاق اسمها على موقع بشبكة الانترنت. ويبدو أن هذا الزمن أصبح الكترونياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فإذا التفت يمنة أو يسرة وجدت نفسك محاطا بألكترونات هذا الزمن المثير، فبدءًا من صرخة الطفل في اطلالته على الحياة وانتهاء بشهقة آخر تجد نفسك تستنشق هواء العولمة، حتى الاعتقالات والمحاكمات والزواج والطلاق أحاطته تلك الدائرة المثيرة، فقد دخل مهندس هندي تلك الدائرة وأصبح أول شخص في العالم يعتقل الكترونيا بعد ان اعتقلته السلطات الهندية في نيودلهي، والحكاية ببساطة ان هذا الشاب اتهم بسرقة كلمة السر لأحد المشتركين في الانترنت وبيعها للعديد من المستخدمين، حيث قدر عدد ساعات الاستخدام التي تمت سرقتها بما يزيد على مئة ساعة. ومثلما تتواصل الاشياء فيما بينها تواصلت في هذا العصر حالات الطلاق والزواج عن طريق البريد الالكتروني وتواصلت معها التفسيرات الفقهية فيما يجوز ولا يجوز فبينما يؤكد مفتي مصر الدكتور نصر فريد واصل ان الزواج والطلاق عبر الانترنت باطل بسبب وجود احتمال التزوير عبر هذه الشبكة إلا باستخدام كاميرا الانترنت لحسم الموقف، يقر مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ جواز حكم الطلاق بالانترنت وارسال قسيمة الطلاق إلى الزوجة أو ولي أمرها عبر البريد الالكتروني. وحتى لا أقف عند نقطة بعينها ألتقط خبرا نشرته صحيفة الـ «تايمز» اللندنية يشير إلى ان اجراءات الطلاق يمكن ان تتم أيضاً عن طريق الانترنت، وأوضحت ان مؤسسة تابعة لمجموعة من المحامين أنشأت موقعاً لاتمام الاجراءات الخاصة بالطلاق، وادعى المسئولون في هذه المؤسسة ان اجراءات الطلاق بهذه الطريقة تكون أسهل وتسير بطريقة ودّية، مشيرين إلى ان هذا الموقع ربما يؤدي بمبرمجي الانترنت إلى ابتكار موقع آخر لازالة سوء التفاهم والخصام بين الاصدقاء، حيث ان لغة التطور في عالم الكمبيوتر لا تعرف حدوداً. ويبدو ان لغة الكمبيوتر حقاً لا تضاهيها لغة، فقد ازداد إدمان البريطانيين على استخدام اجهزة الكمبيوتر لدرجة انهم يفضلونها على أكل كيس من البطاطا المقلية التي تعتبر من الوجبات المفضلة لديهم. وأشارت دراسة أخيرة إلى ان رياح التغيير التي هبت على البريطانيين اقتلعت الكثير من التصورات القديمة، وتوصلت الدراسة إلى عدد من النتائج الطريفة، منها ان 25% ممن تعدت اعمارهم الستين يفضلون استخدام الكمبيوتر على زوجاتهم. وأظهرت الدراسة ان البريطانيين يتحدثون بحميمية إلى أجهزتهم اثناء استخدامها في حين يربت السويديون عليها وكأنهم يربتون على كتف أبنائهم، بينما يلجأ الاسبان إلى ضربها لو لم تشتغل بشكل جيد. ويبدو ان رياح التغيير هبت على الزوجات فبعد الحماة والصديقة، دخل الكمبيوتر حلبة السباق على قلب الزوج، فاعتنى الزوج بجهازه وأهمل زوجته! إنه زمن الكابتشينو والانترنت والبطاطا المقلية!