هل يحق للولايات المتحدة بأن تتباهى بأنها سحقت البنية الاساسية لما تسميه بحركة الارهاب العالمي؟ لقد تمكنت الولايات المتحدة عن طريق القوة الذاتية العسكرية (بمساعدة اطراف اخرى خارجية ومحلية) من احداث انقلاب سياسي شامل في افغانستان هو الذي اتاح لها الاطاحة بنظام طالبان الاسلامي، واقصاء حركة طالبان من المعترك السياسي الافغاني هو الذي بدوره اتاح للقوات الامريكية تدمير تنظيم «القاعدة» ورغم ان ادارة بوش لا تعتبر ان حملتها في افغانستان بلغت ذروة النجاح المطلوبة الا بعد الظفر بالملا محمد عمر واسامة بن لادن شخصيا الا ان مسئولي الادارة لا يكفون عن ترديد ان القوة الامريكية تمكنت باحداث انقلاب سياسي شامل على الارض الافغانية من تسديد ضربة قاتلة للحركة الارهابية العالمية بحرمانها نهائيا من قاعدة الانطلاق الهيكلية المتمثلة في ثنائي نظام طالبان وتنظيم ابن لادن. فهل يعني ذلك ان الولايات المتحدة تستقبل عام 2002 كبداية مرحلة من الاطمئنان الى ان ظاهرة «الارهاب العالمي» انتهت او على طريق التلاشي؟ للسؤال وجه آخر هو: هل ضمنت الولايات المتحدة ان افغانستان لن تعود الى عهدها السابق كمهد لفوضى عارمة واقتتالات بلا نهاية مما يهييء لها لتعود كما كانت قاعدة لاجتذاب افواج تلو افواج من شباب العالم الاسلامي فيتبلور تنظيم جهادي جديد وابن لادن آخر؟ ان افغانستان ليست كما هو معلوم سوى البند الاول على قائمة امريكية طويلة لحملة مكافحة الارهاب العالمي، ورغم ان القائمة لم تعتمد رسميا في صورتها النهائية بعد الا ان اسماء الاهداف المقبلة التي يتردد ذكرها كثيرا على ألسنة مسئولي الادارة تشمل الصومال والعراق واليمن والسودان بصورة او اخرى .. اضافة بالطبع الى مسلمي الولايات المتحدة واوروبا، جماعات ومؤسسات كانوا أم افرادا. غير ان مثل هذا الهجوم الكاسح الذي ينطوي على ملاحقات ومطاردات متصلة ومتصاعدة وواسعة النطاق هو بالضبط ما يمكن ان يتسبب في نشوء جيل جديد من شباب الاسلاميين من ذوي النزعات الثأرية، وان شئت، «الارهابية». وتكتمل عقدة الرواية اذا تزامن تنامي هذه الظاهرة الجديدة مع تبدل الحال على الارض الافغانية لتتحول مجددا الى نقطة جذب. ان الوضع السياسي الراهن في افغانستان الذي استحدثه تدخل خارجي مسلح بمشاركة الولايات المتحدة مع دول اخرى قابل للتفجر في اي ظرف ملائم بما ينطوي عليه من تناقضات راسخة. والظرف الملائم يحل اما بانسحاب القوى الخارجية من المسرح او تعارض اجندتها بشأن مستقبل افغانستان، هنا سوف تتفجر كل التناقضات الكامنة داخل تشكيل وزاري في كابول يتكون من اقليات عرقية شمالية ذات تاريخ درامي من الاقتتال فيما بينها وحين تستيقظ الاغلبية السكانية التي تمثلها قومية البشتون الجنوبية اخيرا الى فداحة الظلم الذي لحق بها بعدم تمثيلها بصورة صحيحة وكافية في التشكيل الوزاري. الحرب الاهلية الافغانية الجديدة آتية لا ريب فيها، ووقوع الحرب سوف يعني تلقائيا زوال الحكم المركزي، واذا زال الحكم المركزي، وبالتالي حلت الفوضى الشاملة من جديد، فان افغانستان سوف تعود لسابق عهدها كنقطة جذب لافواج الجيل الجديد من الاسلاميين. كل هذا يؤدي الى استخلاص اوحد: ان ما تعتبره واشنطن ظاهرة ارهابية عالمية لن يتلاشى نهائيا الا اذا خوطبت الاسباب الجذرية، وفي مقدمتها تصحيح ذلك التحيز الغربي الفاضح ضد الاسلام كحضارة والمسلمين كأمة.