بداية يجب التنويه إلى أن المبعوث الأمريكي الجنرال أنطوني زيني ، قد نجح في وضع السلطة الفلسطينية والقوى الوطنية والإسلامية في حالة لا يحسدون عليها، وقلل من الخيارات السياسية التكتيكية المستندة بالأساس إلى الفعل الانتفاضي الضاغط، والمرتكزة إذا شئت، إلى الفعل المقاوم في هذا الجانب، كأحد الخيارات الرئيسية التي كانت على الدوام تلجم شارون وحكومته، عن تنفيذ مشاريعهم العسكرية - الأمنية، باعتبار أن المقاومة كانت تحد من تطرف شارون، وتحقق نسبياً حالة من توازن الرعب التي كانت بدورها تخلق حالة من الانقسام في المواقف الداخلية الإسرائيلية بين معارض للسياسية الشارونية، الآخذة بالسير إلى نهاية الطريق مع الفلسطينيين وداعم لها، لدرجة أننا شهدنا على مدار الأسابيع الماضية تأجيل الكثير من هذه التكتيكات الجهنمية. بصرف النظر عن المقدمات، فقد نجح زيني في الحد من تطور الفعل المقاوم الفلسطيني، فتحاوياً كان هذا الفعل أو حماسياً أو جهادياً، وهذا النجاح جاء نتيجة لجملة من الظروف الذاتية والموضوعية من جهة، والاقليمية والدولية من جهة أخرى. أما فيما يتعلق بالذاتية والموضوعية فتتلخص في التالي.. أولاً: شكل غياب التنسيق، بين السلطة والقوى الفلسطينية الأخرى، حالة من الخلل على كل المستويات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا الخلل حجم الفعل الانتفاضي العام، ورفع وتيرة الفعل الاستشهادي، مما أحدث فجوة داخلية، بدأت تأخذ طريقها باتجاه عسكرة المجتمع الفلسطيني، والتي إذا ما وصلت إلى مستوى أعلى من ذلك، فستجد اسرائيل سهولة في تفكيك هذه الظاهرة ، قياساً بقدراتها العسكرية المذهلة. ثانياً: غياب الهدف السياسي، فكل معركة أياً كان حجمها، لا بد وأن لها في نهاية المطاف سقفا أو مطلبا سياسيا واضحا ومتبلورا إن كان لدى الجمهور أو السلطة والقوى في آن معاً. وإذا ما تجاوز الأمر الهدف السياسي المنشود والمنظم والهادف، فستصبح القضية برمتها، مجرد عبث قد يؤدي إلى وأد روح الانتفاضة، التي يرى الكثيرون أنها لا تزال في بداية الطريق، رغم مرور سنة ونصف السنة على اندلاعها؛ انطلاقاً من أن الاحتلال لا يمكنه موضوعياً تقديم أية تنازلات تذكر ،دون فعل انتفاضي دائم، بداية من الاحتجاج مروراً بالمظاهرة السلمية وانتهاءً بالاشتباك المسلح المحدود في هذه المدينة أو تلك، المترافق مع التكتيك السياسي اليومي، المتناغم مع وتيرة هذه الانتفاضة وظروفها المتبدلة. بالإضافة إلى ذلك تعدد مراكز القرار، التي باتت تنعكس على آلية مواجهة المخططات الأمنية الإسرائيلية، التي بدأت تلحق الكثير من الأضرار بالفلسطينيين، قياساً بالأيام أو الأشهر الأولى للانتفاضة. وهذا الجانب على ما يبدو قد لعب فيه العامل الإقليمي والدولي، دوراً أساسياً، بسبب جملة من العوامل أهمها: أولاً: التغيرات الكبيرة التي حدثت في الموقف السياسي الدولي بشكل عام والأمريكي بشكل خاص، والتي بدأت تدمغ كل ظاهرة كفاحية أياً تكن مشروعيتها بالإرهاب، خاصة تلك التي تحمل الصبغة الإسلامية، أي أن هذه النظرية الجديدة، قد شجعت شارون بما يمثل من تحالف سلطوي، تحت اسم الإرهاب، على تجاوز كل ما كان يسمى بالخطوط الحمر، التي رسمت قبل أحداث 11سبتمبر، لدرجة أن مؤسسات الشعب الفلسطيني، بصرف النظر عن كونها سلطوية، عامة أو خاصة، أصبحت عرضة للدمار المنظم من قبل الآلة العسكرية الإسرائيلية. ثانياً: غياب الخيارات العربية، بحيث اقتصرت هذه الخيارات على مجموعة التحركات الدبلوماسية، دون أية أهداف سياسية، مما سرع في نقل الأزمة إلى صفوف الفلسطينيين، بعد أن كانت هذه الأزمة في الخندق الإسرائيلي. والمصيبة أن كل ما خرج عن الاجتماعات العربية كان ينادي فقط بالخيار الدبلوماسي وليس السياسي، لان خيار المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية والحرب وإغلاق السفارات ... الخ ،كلها خيارات سياسية أصلاً. هذه الأمور الصعبة وغياب الإرادة السياسية عربياً، لم يشجع شارون على التمترس خلف مواقفه الإرهابية وحسب، بل زادت من أزمات القوى الفلسطينية، وخلقت حالة من الإرباك داخل صفوفها. فحماس والجهاد الإسلامي من جهة ،والسلطة بحزبها وبتحالفاتها الحزبية والسياسية من جهة أخرى أصبحتا جبهتين بعدما كانتا جبهة واحدة في مواجهة السياسة الإسرائيلية الجهنمية. والمحيط الإقليمي العربي بعد أن كان درعاً مسانداً للقوى والفعاليات السياسية والحزبية الفلسطينية بكليتها، انتقل بعد ضغوط زيني إلى حالة من الانتقائية، بل أكثر من ذلك، بدا هو الآخر ينطلق من شرعية وعدم شرعية هذه القوة الفلسطينية أو تلك، تحت ذريعة حماية الشرعية الفلسطينية وممثلي الشعب، الأمر الذي أدى إلى الخلل الذي نشهده هذه الأيام، والذي لم يأت فقط بفعل الضغط الأمريكي وحسب كما أسلفنا القول. لهذا قلّت خيارات القوى والشعب الفلسطيني، وبدا الوهن السياسي يغزو البيت الفلسطيني، وما حصل في غزة ومخيماتها مؤخرا، هو تعبير مباشر وحي عن جملة هذه الأزمات التي باتت تهدد وحدة الصف والموقف الفلسطيني. ومن قبيل التذكير، أنه قبل وقوع الصدامات بفترة، بدأت كل القوى الفلسطينية، بما في ذلك حركة حماس بالتفكير جدياً، بطرح السؤال الكبير والخطير على مستقبل القضية: ماذا بعد؟ بذات اللحظة التي بدأت السلطة الفلسطينية تفكر بضرورة توحيد المرجعية السياسية والسلطوية ، إلا أن القوى جميعها وصلت إلى طريق واحدة لا مناص منها، تتمثل في حالة انتظارية محضة، وهذه الحالة إذا ما طالت كثيراً ستخلق حالة من الصراعات الداخلية الفلسطينية، بسبب المطالب الأمنية الكبيرة الملقاة على عاتق السلطة، وغياب الموقف العربي الجاد والفاعل القادر على فرض رؤيته وشروطه على اسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة. بصرف النظر عن كل ما تقدم، لا بد من التذكير أن مشاريع شارون لن تقف عند حدود فرض الاملاءات على الفلسطينيين، بل يتعدى ذلك إلى تعميم هذه الشروط والاملاءات على المحيط الجغرافي برمته، وأن الانتفاضة - المقاومة، لا تزال تعتبر جدار الصد الأول، فإذا ما انهار هذا الجدار فسنشهد بكل تأكيد خطوة أخرى تتعدى قضية الشعب الفلسطيني. وهنا السؤال: هل حقاً وصل العرب إلى حالة من التكلس والعجز في مواجهة شارون ومخططاته؟ أم أن فعلاً عربياً موازياً سيظهر في حال حاول شارون توسيع معركته؟ والسؤال الأكثر خطورة: هل وصلت القوى الفلسطينية بمجملها إلى قناعة شبه كاملة للملمة أوراقها انتظاراً للقادم؟ كل هذه الأسئلة ستجيب عليها في القريب العاجل المشاريع العدوانية الشارونية القادمة، والتي ستجعل العرب يبحثون من جديد على قوة حية داخل الشعب الفلسطيني، حتى وإن كانت أقل فعالية من حماس والجهاد الإسلامي وفتح ،من أجل لجم الخطر الإسرائيلي الداهم المدعوم غربياً، تحت جملة من المسميات والحجج والذرائع. ـ كاتب فلسطيني