كان دخل الفرد الأرجنتيني في الثلاثينيات يعتبر أعلى دخل في العالم، يشبهه بعض الاقتصاديين بما يوازي دخل الفرد في كندا في الوقت الحالي، ورغم ذلك تحولت الأسبوع الماضي إلى أول دولة تعلن إفلاسها في التاريخ الاقتصادي المعاصر، بعد أن فشلت حكومتها في دفع ديونها الخارجية، وعجزت عن توفير الحد الأدنى من رواتب المحالين إلى التقاعد والموظفين الحكوميين على الرغم من التخفيضات المتوالية التي طالت تلك الرواتب خلال العامين الماضيين والتي وصلت إلى30 في المئة، وفي أيام قليلة تحولت الأرجنتين إلى أول دولة في العالم تتعامل بثلاثة أنواع من العملة في وقت واحد: الدولار الأمريكي، والبيزو، و«الارجنتينو»، وهي عبارة عن بونات ورقية مطبوعة بلا غطاء مادي حقيقي، ابتدعتها الطبقة السياسية لمواصلة المزيد من التدمير الاقتصادي في البلاد، وإغراق آخر أمل يلوح في الأفق للخروج من الفوضى. هذه الفوضى الاقتصادية التي وصل إليها الوضع في دولة معروفة بثرواتها الطبيعية من أراض زراعية خصبة، ومزارع لتربية المواشي في مراع طبيعية، ومياه متوافرة بكثرة، وصناعة متطورة في العديد من المجالات، وتكنولوجيا علمية متقدمة، ليست فقط نتيجة أخطاء سياسية لا يستطيع أن ينكرها أحد كعوامل مساعدة، ولكنها نتيجة لحالة اقتصادية وسياسية دولية محيطة بالبلاد اسمها «العولمة الاقتصادية، ينكرها معظم المنظرين لتلك العولمة، ويتجنبها الكثير من المراقبين عند الحديث عما آلت إليه الأوضاع في بلد بهذا الحجم وهذه الثروة. عولمة الانهيارات الأرجنتين لم تكن أول حالة ولن تكون الأخيرة ما دام العالم يسير مغمض العينين تحت راية «السوق المفتوحة» بلا حدود أمام رؤوس الأموال التي تتحرك من مكان إلى آخر دون هدف سوى تحقيق أكبر قدر من الربح من خلال المضاربة وليس إقامة مشروعات اقتصادية حقيقية، ثم الهرب عند أول بادرة تشير إلى وجود شبهة في خسارة تلوح في الأفق، على الرغم من أن المكسب والخسارة يعتبران من الأمور الطبيعية في التعامل المالي اليومي. الأرجنتين حلقة جديدة من الحلقات المتوالية التي تحدث عنها الخبير الاقتصادي الإسباني «خواكين استفانيا» في كتابه «هذا لن يحدث هنا» والذي يحلل فيه عمليات الانهيار الاقتصادي التي حدثت في جنوب شرق آسيا ثم البرازيل، ويصل إلى نتيجة مؤداها ان عمليات الانهيار التي مرت بها تلك المناطق ليست حقيقية، ولكنها مصطنعة من جانب رؤوس الأموال الضخمة التي بدأت تتجول في العالم كله بحرية تامة ودون حدود في ظل العولمة الاقتصادية، وأن عمليات الانهيار الاقتصادي ليست سوى الجانب الذي تركز عليه تلك العولمة باعتباره جانبا مربحا يأتي نتيجة عمليات مضاربة يشارك فيها الإعلام التابع لتلك المؤسسات المالية التي تحرك رؤوس الأموال من مكان إلى آخر، واصطناع الأزمات لتبرير هروبها بأرباحها، ويصل الاقتصادي الإسباني في كتابه إلى أن هناك مبدأ واحدا لا تحيد عنه تلك المؤسسات المالية، وهو عدم المضاربة في بلاد العالم المتقدم الذي تنتمي إليه، لأنه العالم الذي يملك القوة العسكرية والسياسية التي تحميها في حال تعرضها لضغوط من جانب دول العالم النامي، أو الذي في طريقه إلى النمو. على الرغم من صدور هذا الكتاب قبل عامين، فإن المؤلف لا يزال الصوت الوحيد الذي حذر ولا زال يحذر من تكرار ما حدث في جنوب شرق آسيا والمكسيك والبرازيل، وجاءت الأرجنتين لتدين العولمة الاقتصادية من جديد، وتؤكد نظريته التي تشير إلى أن الاقتصادات الكبرى في دول العالم النامي سوف تتعرض واحدة بعد الأخرى إلى هجوم شرس من جانب رؤوس الأموال المضاربة والمؤسسات التابعة بدعم من مؤسسات دولية معروفة كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. بعد انهيار دول جنوب شرق آسيا التي كانت تقدمها تلك المؤسسات على أنها النموذج المثالي للتقدم الاقتصادي جاء انهيار العملة المكسيكية عام 1994 والذي خسرت فيه البلاد دخلها الوطني من البترول لعقود طويلة قادمة نتيجة رضوخها للشروط التي وضعتها المؤسسات المالية الأمريكية لضخ مزيد من السيولة المالية لإنقاذ البلاد من إعلان الإفلاس النهائي، فيما أسموه نظرية «التكيلا»، ثم جاءت بعدها البرازيل لتخسر نصف رأسمالها الوطني نتيجة تخفيض عملتها إلى النصف تقريبا في عملية مماثلة لما حدث في المكسيك. نهب منظم حل الدور على الأرجنتين التي تعتبر رابع اقتصاد في العالم خارج نطاق دول العالم المتقدم لتعلن إفلاسها التام بتوقفها عن دفع ديونها بعد التدهور المتواصل لوضعها المالي خلال العامين الأخيرين والذي وصلت فيه الديون إلى ما يزيد على 155 مليار دولار، تشكل عبئا سنويا على الدخل الوطني يقدر بحوالي عشرة مليارات دولار لدفع فوائد تلك الديون فقط. كيف حدث هذا في دولة كانت تعتبر قبل عقود قليلة مخزن غلال وثلاجة لحوم العالم؟. بدأ التدهور منذ نهاية الستينيات نتيجة الانقلابات العسكرية المتوالية التي كانت تخطط لها وتدعمها الولايات المتحدة الأمريكية، كسياسة ثابتة خلال فترة «الحرب الباردة» التي كانت تجري بينها وبين الاتحاد السوفييتي السابق على أرض أمريكا اللاتينية. ما أن انتهت الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفييتي وتمزقه إلى دويلات لا حول لها ولا قوة، حتى كان العسكر قد وصلوا بجزء كبير من أمريكا اللاتينية، وفي مقدمتها الأرجنتين، إلى حالة من الفقر الناتج عن هروب رؤوس الأموال الوطنية إلى خزائن البنوك الأمريكية، سواء من خلال أفراد المؤسسات العسكرية الذين حكموا البلاد بدعم أمريكي خلال تلك الفترة، أو من خلال تركيز الثروة في يد قلة من الأفراد المدنيين المقربين من تلك الحكومات العسكرية والتي تشير الإحصائيات إلى أن معظم هؤلاء الأفراد ينتمون إلى الطائفة اليهودية الذين وصلوا إلى البلاد بعد هروبهم من النازي خلال الحرب العالمية الثانية، في رأي البعض أن المسألة ليست مصادفة بحتة، بل مخطط محكم التنفيذ من جانب مؤسسات مالية أمريكية معينة استخدمت هؤلاء، أو استخدموها هم في استنزاف ثروات الشعب الأرجنتيني ووضعها في خزائن بنوك أجنبية؟!. برحيل العسكر بعد هزيمتهم في حرب «المالفين» وعودة الديمقراطية، واختيار الشعب الأرجنتيني للحزب الراديكالي بزعامة الرئيس راؤول ألفونسين، لم تتوقف سياسة التدخل الأمريكية، بل زادت من خلال التهديدات المستمرة من جانب بعض العسكريين المدعومين من المخابرات الأمريكية، وعاشت البلاد عدة محاولات انقلابية كانت نتيجتها في النهاية انتقال السلطة إلى حزب ورثة الجنرال «بيرون» الذي كان يقف على رأسه الرئيس السابق كارلوس منعم. منذ وصول كارلوس منعم إلى رئاسة البلاد بدأت عملية نهب منظم للاقتصاد الأرجنتيني، بدعم مؤسسات مالية أمريكية أو دولية خاضعة للسيطرة السياسية المباشرة للبيت الأبيض، كصندوق النقد الدولي الذي كان وراء عملية الازدهار المصطنعة للاقتصاد خلال الفترة الرئاسية الأولى لكارلوس منعم التي ازداد فيها حجم الاقتراض لتغطية العجز في الموازنة. صناعة الازمات في ظل هذا الوضع المشبوه قاد كارلوس منعم عمليات بيع مؤسسات القطاع العام الأرجنتينية لشركات أجنبية مدعومة بتقارير صندوق النقد الدولي ونصائحه بأسعار بخسة، وصلت في بعض الأحيان نسبة العمولات عنها إلى أكثر من 60 في المئة من الثمن المدفوع فيها، زاد حجم الديون الخارجية بنسبة 50 في المئة بعد بيع شركات التليفونات والسكك الحديد والطيران، على الرغم من أن حكومة منعم أعلنت أن الهدف من البيع تسديد تلك الديون!. ثم جاءت بعد ذلك عملية الحفاظ على سعر العملة الوطنية «البيزو» مقابل الدولار بشكل اصطناعي، ومنها بدأت أول دعوة في أمريكا اللاتينية لاتخاذ الدولار كعملة أساسية في البلاد. لكن التدهور المستمر في الوضع الاقتصاد حال دون تحقيق حلم الرئيس كارلوس منعم في التعامل بالعملة الأمريكية كعملة وطنية، فقد انتهت فترة رئاسته الثانية، وخسر حزبه عام 1999 معركة الرئاسة لصالح الرئيس «فرناندو دي لا روا»، مرشح الحزب الراديكالي الذي بدأ يواجه الصعوبات نفسها التي واجهها الرئيس السابق راؤول الفونسين، لأنهما ينتميان إلى حزب لا يقع في دائرة النفوذ الأمريكية بشكل مطلق، خاصة بعد تشكيكه في عملية «الدولرة» التي كان يدعو إليها كارلوس منعم والتي كانت تعني التبعية النهائية للبلاد بالعملة الأمريكية. بدأت بعد ذلك عمليات الضرب «تحت الحزام» لسياسات الرئيس دي لا روا، بعد اكتشاف عمليات الفساد التي صاحبت فترتي رئاسة كارلوس منعم للأرجنتين، وثبات تورط جهات أجنبية في بعض عمليات هذا الفساد، خاصة عمليات بيع أسلحة لكرواتيا خلال حرب البوسنة والهرسك، رغم وجود قرار حظر دولي على بيع الأسلحة لأي من أطراف تلك الحرب، ووصل الأمر إلى حد تحديد الإقامة الجبرية للرئيس السابق كارلوس منعم بأمر قضائي، وسجن شقيق زوجته السابقة. كلما تكشفت عمليات الفساد في عهد الرئيس كارلوس منعم زاد تعنت صندوق النقد الدولي في منح قروض للأرجنتين كانت تمنح بسهولة من قبل، بل أن ضغطا أمريكيا رسميا قاده البيت الأبيض أوقف قرضا متفقا عليه من قبل لتسديد فوائد الديون الخارجية عن عام 2001، وكانت النتيجة قرار حكومة الحزب الراديكالي دفع فوائد تلك الديون باستخدام الاحتياط المحلي الذي أدى بالتالي إلى عجزها عن دفع رواتب الموظفين والمحالين إلى التقاعد، وكانت النتيجة النهائية «الثورة» التي عمت البلاد خلال الأسبوع الماضي والتي انتهت بتخلي الرئيس دي لا روا عن منصبه وهروبه من «القصر الوردي» بطائرة هليكوبتر لتعود الحكومة إلى قبضة الحزب البيروني من جديد. أحداث الأسبوع الأخير أكدت مجددا على أن الشق الأكبر من الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الأرجنتين، جاء نتيجة السياسة الاقتصادية الدولية التي تقودها قوى رأس المال المضارب، وأن ما حدث هناك ليس سوى أزمة جديدة تضاف إلى أزمات جنوب شرق آسيا والمكسيك والبرازيل، ومن المؤكد أنها لن تكون الأزمة الأخيرة، بل من المتوقع أن تتبعها أزمات أخرى في مناطق أخرى من العالم، ومن المؤكد أيضا أن الأزمة القادمة لن تحدث في بلد ينتمي إلى العالم المتقدم، لأن مثل تلك الأزمات لا يحدث هناك. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا