قبل ما يزيد على عشرين عاما نظر العجوز الى ذلك التل الذي يصل الى السماء واشار نحوه: ان اسفله قصر من ذهب! حّول نظره نحوي وعاد يحدثني: اجدادنا قالوا ان تحت تراب هذه الجبال من الرمال يسكن قصر شداد بن عاد، قصر عظيم كله ذهب دفنته الرياح. كان يتحدث في سكون الليل، سكت وترك لي في الظلام، بعض أوهام واحلام وامنية ان يهد الله جبال الرمال هذه يوما وان يخرج القصر، لا نطمع فيه، لا نريد ان نسكنه ولا نحلم بالذهب الذي يغطيه، نريد فقط ان نراه. اليوم اعرف اين ذهب العجوز، لكنني لا اعرف أين ذهبت تلك الجبال. غاب الراوية العجوز، سكن القبر، وغابت عراقيب الرمال التي لا تقهر ولا ينتهي شبح مداها، تضاءلت كثيرا، غابت سطوتها، كانت فيما مضى لوحة فنية سريالية، مملكة قائمة لها سحرها وحضورها، تلاشت هيبتها وسرّها، اصبحت مجرد إطار لوحة فيها عمران واسمنت واسفلت، حوّلتها الحياة وأيادي الناس الى مجرد بقايا صورة وذاكرة، إطار جميل يلف ما تبقى من رائحة المكان. بالتأكيد ان الميت لا يعود، فلن يعود العجوز ولن تعود اسطورة جبال الرمال الشامخة تلك، وايضا سيبقى السؤال الذي لم يقترب مني وقتها والذي شغلني فيما بعد، ويحيرني كلما تذكرت وفكرت فيما قاله العجوز، يحمل علامة حيرته واستفاهمه من غير اجابة: من علّم ذلك البدوي عن شداد بن عاد، وكيف عرف قصة قصر الذهب، وكيف خطرت له حكاية ان تكون حضارة «إرم ذات العماد» وملكها الجبار وصلت الى هنا، أو كانت بقاياها هنا كما يزعم العجوز في حديث منقول رواه اجداده، كيف عرف اولئك قصص التاريخ ومسميات حضارات بادت، وما كان علمهم وادراكهم في زمن الامية ان يتجاوز تفاصيل مكونات البيئة والعادات والسهل من علوم الدين والدنيا، وذكاء فطري يغطيه تراب المكان الذي ينتمون له. هل في حكاية قصر الملك المدفون، شيء من الحقيقة. لماذا لا؟ في مدافن التاريخ وآثار العباد كل شيء وارد، فمن كان يصدق ان صحراء الجزيرة العربية التي هي جزء من نار ملتهبة ليلها كنهارها في كل المواسم لا تتغير ايامها واحوالها الساخنة، تهرب منها الضواري ولا ينبت بها عود ولا يأنس فيها انسان. هذه الحارقة كما قال العلماء في السنوات الاخيرة، وكما اثبتت صور الاقمار الاصطناعية، كانت في غابر الازمنة ارض جنان، خضراء يانعة، فيها أنهار وحضارات، لا تغيب عنها القوافل ولا تفارق غدرانها الطيور المغردة وتأمن في مرعاها الغزلان وصنوف الحيوانات الشاردة، ويبشر هؤلاء العلماء ودليلهم حركة التبدلات المناخية التي يعيشها العالم في سنواته المتلاحقة، ان الايام الخضراء ستعود وسيأتي يسر الارض وفرحها قريبا. نعود الى حديث العجوز وسيرة قصر الملك المدفون، من شاهد قبل عشرات السنين، الموقع الذي تحدث عنه الراوية، يجزم انه مكان مختلف وان فيه بقايا عمران وحياة، هكذا تكوينه يخبر عنه، شكل هلالي من عراقيب الرمال المتراصة، شبه مستوية في هضابها التي تقع على ارتفاع عال، وحدها اقدام الماشي المتمرس في مصاعيد الصحراء، التي يمكن ان تصل الى اعالي هذه العراقيب، هذا الشكل الهلامي الشاسع عمقا وفضاء، يخفي اسفله مجرى واد عريض، اذا نظرت الى الموقع من بعد، نلاحظ انه عبارة عن أودية ثلاثة تلف بهذه السلسلة الهلالية، وفي الزاوية التي اشار اليها العجوز تشكيل جميل من استدارة الهلال وتداخل الوادي مع سفح الرمال وبين التراب ومجرى الماء بقايا اشجار تشير الى انه يحمل رسم حياة مزدهرة كانت عليه ذات يوم. حديث العجوز عن قصر شداد بن عاد قد يكون مجرد «خروفة» لكن هناك حقائق كثيرة تدل على ان في «الذيد» وهي منطقة وسطى منذ القدم تربط القادمين من الغرب بالشرق، وتلتقي عندها رواحل رحالة الجنوب نحو الشمال او سفر القاصدين نحو الاتجاه الآخر. في هذه المنطقة دلائل قيام حضارات تاريخية عليها او قربها، ففي اقصى جنوب الذيد تقع «البحايص» التي دلت العمليات الاستكشافية التي قامت بها بعثات من بلدان مختلفة عن وجود حضارة فيها تعود الى العصر الحجري الاول، وهي من اقدم المكتشفات في المنطقة. وفي «مليحة» وهي جنوب الذيد ايضا وجدت آثار حضارات تعود الى آلاف السنين ما قبل الميلاد، هذه المقابر والمعابد والمساكن والهياكل العظمية والأواني والمسكوكات والزخارف المكتشفة تجعل مليحة منطقة تراثية عالمية مهمة في فهم وادراك ثقافات وتاريخ الانسانية. في الذيد تقف اليوم اطلال حصون وقلاع في اشكال هندسية مختلفة وفي جنبات متناثرة من الواحة، بقايا العمران الصامد هذا يعود الى مئات السنين، تحوي لبناته الطينية قصصا وآثارا وتحتاج الى تقص واستكشاف. في الذيد ايضا بقعة مأهولة سكانيا، كان ولا يزال يطلق عليها اسم «الضم» هذا المسمى الذي التصق بها وورثه الاباء لاحفادهم لابد ان له حكاية قد يفسرها احد الشواب الذين ارتبطوا بالمكان وما زال يقبض على بقايا ذاكرة. وقرب حي «الضم» تلمح أثر الوادي الكبير الذي يلف الواحة، وعلى الجانب الآخر منه تقوم حضارة النخيل والتي فيها يكمن مجد هذه الواحة، فازدهارها وشهرتها في الاحقاب الماضية جاء بفضل غابة النخيل هذه. هذه المساحة الخضراء التي تقع في قلب الذيد، وتقع ايضا في قلوب اهالي الواحة هي عندهم اكبر من دورها كمزارع تؤتي اكلها في موسم يتيم، فهم لا يطلقون عليها حتى اسم المزرعة أو «الضاحية» كما يسمون البقعة المزروعة التي تخصهم، إنهم لا يذكرونها إلا بلقب «البلاد» فعندما يريد أحدهم أن يسرح صباحا أو يسري ليلا لها، فيقول إنني ساير للنخيل أو إلى البلاد. من المسمى تستشعر مكانتها وعشقها فيهم، وهي عندهم مقدسة، كل ما فيها وحولها وما تنتجه خير ونعمة وفضل مقدس يشكرون الله عليه دائما، حتى الماء الذي يسقيها مقدس، فهذه النخيل لم تعرف «الطوى»، انها تشرب من «الشريعة» يأتيها الماء من رؤوس الجبال عبر الأودية التي تجف صيفا، لكن الشريعة لا يتوقف ولا يصمت هدير الماء فيها. في حديث قصر الذهب يروي الحكاية أحدهم ويجهل العديد من السكان معرفة النبأ، بينما في أصل فلج الماء كلهم يجمعون ويحزمون ان من بنى الشريعة هو النبي سليمان، وان هذا الفلج «داودي» نسبة إلى النبي سليمان بن داود. خبراء الشريعة الذين يتولون الاشراف عليها وتوزيع حصص الماء ويقومون بدخول الفلج وتنظيفه في المواسم المختلفة، يؤكد بعضهم ان على جدران الفلج في مناطق معينة بقايا شخبطات وكتابات وآثار أظافر طيور محفورة في طين الجدران، انها الطيور التي ساعدت النبي سليمان في بنائه للشريعة كما يزعمون. حضارة النخيل والماء في هذه الطرق، تحتاج الى استراحة أخرى. shmitrli@Hotmail.com