ضجيج الأطفال هو الضجيج الوحيد الذي يذهب تأثيره سريعاً دون أية آثار ضارة، مجرد فقاعات هواء سرعان ما تتلاشى، وضجيج الاعلام العربي يصنع فقاعات آدمية تتحدث عن الديمقراطية والحوار والرأي الآخر والشفافية و.. الخ، ولكن خلف الميكرفونات فقط، أما ضجيج الانفجارات الامريكية والبريطانية على افغانستان، و«الاسرائيلية» على الفلسطينيين فيصنع وبجدارة اسطورة القوة القائمة على مبدأ العنجهية، وثقافة اجتثاث الآخر، كما يصنع وبجدارة أيضاً ثقافة موازية تعلن عن نفسها تحت مسمى (الارهاب) ضد دول تقتل وتبيد وتضرب بالقنابل المحرمة، ثم تدعي انها العظمى والأولى والديمقراطية وراعية السلام!! ونتساءل ـ بدون ضجيج ـ هذه الدول عظمى في أي اتجاه؟ وأولى على من؟ وديمقراطية مع من؟ وراعية سلام لاجل من تحديداً؟ ضجيج المشاعر والاحساسات المغرقة في السوء، تشم من بعيد وتنضح من مسامات الجلد وقسمات الوجوه، وحدقات العيون، انها المشاعر التي يتلبسها أشخاص كثيرون ضد بعضهم دون داع لذلك تماماً سوى ضلالات الضعف الانساني المبعثر بين الحسد والكراهية والغيرة و... الخ، وخلف هؤلاء تضج الاسئلة الصعبة: لماذا يفعلون بأنفسهم ذلك؟ لماذا يكاثرون القبح بلا مبرر؟ ويقتلون ارواحهم مقابل الفراغ؟ يعتبر الضجيج بكافة أشكاله تلوثاً خطيراً وفق تقارير منظمات حماية البيئة، كضجيج الطائرات والسيارات والقطارات، واصوات الموسيقى الصاخبة، وانفجارات القنابل والاسلحة المحرمة والكيميائية والجرثومية والانشطارية والذكية والغبية والعنقودية الامريكية الصنع! ما يعني أن الحضارة في بعض وجوهها شكل آخر لأبشع أنواع الضجيج الذي تعاني منه البشرية المسكينة اليوم! الحروب الدائرة في كل مكان بواسطة السلاح الغربي، ضجيج مهلك وطريق لا يقود إلا للفناء والدمار والاحقاد وللمزيد من الفقر والفقراء واللاجئين والمخيمات والمرضى والأميين، ومع ذلك فأول صناع السلاح والحروب هم أول المتحدثين بوقاحة عن البيئة والانسانية والحضارة وحقوق الانسان! ثقافة الضجيج تجوب العالم بأحدث وأسرع وأفتك الوسائل، بالاغذية السريعة المعبأة بالأمراض والاوبئة، وبلحوم الابقار المجنونة، والصادرات المليئة بالاشعاعات الخطيرة والاسلحة القاتلة كيميائياً والتي تقذف في محيطنا وقريباً منا وبالأطنان يومياً، فلا يتحرك أحد أو يرفع صوته محتجاً أو مدافعاً، بينما يمعن القتلة في جرائمهم بضمير مرتاح! ضجيج العالم الذي يلفنا حتى الدوار صار اشكالاً وانواعاً وموديلات، ألبسوه ثياباً مزركشة وسموه عولمة وحضارة وانفتاحاً وتجارة حرة، ورضينا بذلك لأننا شعوب لا حول ولا قوة لها ولا تملك سوى أن توقع في خانة الموافقة وتنتظر النتائج، كما تنتظر قضاء الله وقدره! كل هذا الضجيج واكثر يحرمك انسانيتك، وهدوءك، ورغبتك في التقدم للأمام باتجاه البدائل الأفضل لحاضرك وتجميل واقعك بما تستحقه من وسائل أجمل لمعيشتك وغذائك وتنقلك وملبسك وقضاء أوقاتك، واستمتاعك بفرحك، وممارستك لما تحب وما ترغب، ان الضجيج الذي يملأ الكون حولك يحرمك ذلك كله، يحرمك متعة قراءة مفردات الكون حولك، واحتساء اسرار الحكمة بتمهل، بينما مطالب أنت كإنسان وكمسلم بأن تقرأ وان تصمت وان تهدأ.. لتكون أكثر تحضراً وانسانية! aishasultan@hotmail.com.