ربما يكون الرئيس بوش ومستشاروه نادمين الآن على نجاح القوات الأمريكية في أفغانستان في القبض على ذلك الشاب الأمريكي المسلم الذي كان يقاتل في صفوف طالبان كأحد أعضاء تنظيم «القاعدة» المتحالف مع الحركة. فلا هم يستطيعون احالته إلى محاكمة دون المخاطرة بانفضاح أمر الحملة العسكرية الأمريكية ضد طالبان «والقاعدة» كفعل يفتقر إلى أدلة قانونية صلبة وكافية ولا هم يستطيعون مواجهة الرأي العام الأمريكي بأي مبرر مقنع إذا قرروا عدم محاكمة هذا الأمريكي «الخائن». جون ووكر أمريكي أبيض من أصل أنجلو ساكسوني اعتنق الإسلام وغير اسمه إلى سليمان بعد أن درس مؤلفات إسلامية للزعيم الزنجي الأمريكي المسلم مالكولم إكس. وكانت هذه نقطة تحول ثورية في مسار حياته. فقد استعاض عن شغفه بالموسيقى والأغاني بارتياد المسجد في موطنه كاليفورنيا وحضور الدروس الدينية. ومن ثم سافر إلى اليمن وباكستان لدراسة الفقه الإسلامي والشريعة. ومن هناك انتقل إلى أفغانستان في عهد حكم نظام طالبان وانضم إلى تنظيم «القاعدة» بزعامة أسامة بن لادن. لقد قبضت القوات الأمريكية على سليمان في مدينة قندوز في الشمال الأفغاني عقب نهاية معركة سجن «جانجي» بين نزلاء السجن من مقاتلي طالبان و«القاعدة» وقوات التحالف الشمالي الأفغاني. فقد عثر على سليمان بين جرحى قوات طالبان المهزومة. لكن نشوة مسئولي الإدارة الأمريكية بالقبض على هذا المواطن الأمريكي «متلبسا بالخيانة» لم تدم طويلا. فقد اكتشفوا سريعا انهم لم يفلحوا إلا في وضع أنفسهم داخل مأزق قانوني سياسي. وقد عبر هؤلاء المسئولون عن طبيعة المأزق عندما صدرت تعليمات بأخذ سليمان إلى إحدى السفن الحربية الأمريكية في المحيط الهندي عوضا عن نقله إلى الولايات المتحدة حتى لا يثير وصوله إلى أرض الوطن ضجة اعلامية تضطر السلطات إلى مباشرة الاجراءات القانونية لتقديمه إلى محاكمة. لماذا إذن هذا التخوف من إحالة سليمان إلى المحكمة؟ نعيد إلى الأذهان ذلك القرار الشاذ الذي أصدره الرئيس بوش قبل نحو شهر ونصف الشهر باحالة المعتقلين من العناصر القيادية لطالبان ومنظمة «القاعدة» إلى محاكم عسكرية ذات طبيعة سرية.. وحرية محدودة للدفاع. لقد كان الدافع إلى هذا القرار هو ان الادارة الامريكية على يقين سلفا بأن أي محكمة مدنية سوف تحكم ببراءة المتهمين. فالتحقيقات الأمريكية في مسئولية تفجيرات نيويورك وواشنطن لم تتوصل حتى هذه اللحظة إلى أدلة ملموسة وقاطعة يمكن أن تثبت قانونيا ان هذه الجريمة من تدبير منظمة «القاعدة» وان قادة طالبان بالتالي شركاء في الجريمة. غير ان المعضلة التي تواجه إدارة بوش بشأن المواطن الأمريكي المسلم سليمان هي ان قرار المحاكمة العسكرية السرية لا ينطبق على حالته. فالقرار مقصور فقط على الأجانب. وهي معضلة عظمى تضع الإدارة الأمريكية أمام خيارين بلا ثالث: ـ إذا قدم سليمان إلى محكمة مدنية فإن على ممثل الادعاء أن يثبت أولا ان قادة «القاعدة» وطالبان ارتكبوا جناية لكي يستطيع أن يثبت ان سليمان ارتكب جريمة الخيانة العظمى بحكم انضمامه إلى عضوية «القاعدة». ـ أما إذا أحجمت الإدارة عن تقديم سليمان إلى محاكمة تفاديا للحرج (كأن يصدر عفو بحقه) فإن على الرئيس بوش في هذه الحالة أن يشرح للرأي العام الأمريكي لماذا يستثنى ارهابي أمريكي من الحملة العالمية التي أقسم فيها الرئيس الأمريكي بأنه سوف يتعقب كل الارهابيين «أينما كانوا». فكيف إذن يتصرف الرئيس الأمريكي ازاء محاكمة مواطن أمريكي يدرك سلفا انها، لو عقدت، فسوف تكون في الحقيقة محاكمة لادارته؟