للصراع الحالي الذي بدأ مع احداث الحادي عشر من سبتمبر عدة ابعاد علينا ان نلم بها. فهو صراع مفتوح مازال في طور التكوين والتشكيل والتغير، وهو صراع ينم عن الكثير من السياسات الامريكية القصيرة النظر التي ارتطمت بسياسات عربية اخرى قصيرة النظر، وهو صراع ينم عن سوء فهم وجهل متبادل بين الحضارتين الاسلامية والغربية، وهو صراع مرتبط بسيطرة الغرب على القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين في مجال التكنولوجيا والعلم والانتشار والرفاه، ومرتبط ايضا بخسارة العرب والمسلمين لدورهم وموقعهم خاصة في القرن العشرين، وهو مرتبط بفشل المسلمين خاصة العرب منهم في المجال الاقتصادي والتنموي. انه صراع ينم عن فشل على اكثر من صعيد واطار بما في ذلك القضية الفلسطينية، بصفتها التعبير الاوسع عن حالة الفشل الاعمق. لقد مرت الحضارة الاسلامية بتواريخ عديدة وسلكت طرقا كثيرة على مدى القرن العشرين، ففي اوائل القرن سعينا لنهضة العرب من خلال الانفتاح والاصلاح كان هذا السعي في الاصلاح الايجابي على يد المصلحين الدينيين محمد عبده والافغاني دليل صحة وعافية ودليل محاولة امة نفض غبار التخلف والتقوقع، وكان على الصعيد السياسي دور الشريف حسين وهو شريف مكة الذي سعى لوحدة العرب واستقلالهم عن العثمانيين تعبير آخر عن سعي العرب لنهضة لم يتأكدوا من افاقها وامكانياتها. ولكن المسجل تاريخيا ان الشريف حسين سعى لوحدة العرب من خلال الثورة على الحكم العثماني حاول العرب في تلك الفتره التي انتهت بسقوط الدولة العثمانية وانتهاء الحرب العالمية الاولى ان يتعلموا من الغرب جانبا من ديمقراطيته، وجانبا من تعامله مع مواطنيه، وطرق تنميته لمجتمعاته، وطرق بنائه للثروة وطرقه في العمل والانتاج. تصادم مزدوج ولكن طريق الانفتاح وطريق القومية الهادئة اغلق امام العرب مع سيطرة الاستعمار المحكم على العالم العربي منذ 1918 ثم مع نشوء النازية والفاشية في اوروبا في الثلاثينيات من القرن الماضي بصفتها قوة صاعدة تواجه الغرب الذي يستعمر معظم بلاد العرب. في هذا وجد الكثير من العرب من خلال القومية الالمانية النازية والقومية الايطالية الفاشية نموذجا يمكن التعلم منه ويمكن التفاعل معه. لهذا جاءت الحركة القومية العربية الجديدة اثناء الحرب العالمية الثانية في اوائل الاربعينيات وبعدها ممثلة بساطع الحصري وبرشيد الكيلاني في العراق وممثلة بالتيارات القومية العربية الرئيسية متأثرة بالمدرسة النازية والفاشية في ذلك الزمن لم تكن تلك التعابير تحدث الصدى السلبي الذي تحدثه اليوم، بل كانت تلك الدول وسياساتها ودورها مثار اعجاب في العراق وفي سوريا وفي مصر ولبنان وبقية بقاع الشرق لهذا ولدت الحركة القومية العربية بعد الحرب العالمية الثانية كحركة لاديمقراطية، تسعى إلى التشدد مع غير العرب سواء اكانوا من تركيا او كانوا اكرادا او بربرا. وقد اعتبرت الحركة القومية انها في صراع مفتوح مع الغرب حول قضية فلسطين وحول قضية الاستقلال وحول قضية الوحدة، وهي في هذا كانت محقة، ولكنها لم تكن محقة في فتح الصراع على مصراعيه دون ان تكون قدراتها الذاتية في مستوى ذلك التحدي، كما لم تكن محقة في عزل نفسها عن تطور الاحداث والعلم المعرفة والديمقراطية والحرية والانتخابات واحترام الرأي الآخر السائد في الغرب. بل وجدت هذه الحركة انها في تحالف تاريخي مع الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة، وانها تريد ان تأخذ النموذج الاشتراكي كوسيلة للتنمية. في النهاية لم تقع الاشتراكية ولم تتحقق التنمية، في هذا تصادمت هذه الحركة مع الكثير من الدول وتصادمت مع الدول العربية التي لا تشاطرها التفكير والتوجه، وقد اكدت هذه الحركة على شعارات الوحدة والتحرير ولكنها بنفس الوقت فشلت في كل هذا ودخلت في صراعات داخلية وذاتية وانتهت الى تراجع كبير مع هزيمة عام 67. تحول جذري ثم جاءت الحركة الاسلامية لتطرح التجديد من جانبها، واعتبرت انها قادرة على اخذ دور ومكان الحركة القومية وتعبئة الفراغ الذي خلفته بعد حرب 67. كان التجديد الذي طرحته الحركة الاسلامية الجديدة مختلفا، فهو تجديد في مفهوم القوة وضرورة المواجهة والتصدي من خلال العنف والتمسك بالتقاليد والعودة الى الاسلام الاول وعلى مدى سنوات العمل والانتشار نجحت الحركة الاسلامية في جذب ملايين الناس الى اجوائها ونجحت في اقناع الكثيرين بصحة موضوعاتها، ولكنها بنفس الوقت لم تحقق الاهداف التي جاءت لتحقيقها. اذ لم تنجح بانشاء نموذج ايجابي للتنمية ولم تنجح في انشاء دولة واحدة رحيمة واسلامية، حرة وديمقراطية، ولم تنجح الحركة الاسلامية في نشر الوعي او التعليم او تقوية التسامح او حل مشكلات المخدرات والتفكك الاسري او غيره من السلبيات الاجتماعية التي تنخر مجتمعاتنا. بمعنى اخر جاء مع الحركة الاسلامية نمط من التقوقع الذاتي على النفس والانعزال عن العالم والابتعاد عن التفاعل معه والتصادم معه في كل قضية ممكنة اكانت حول الغزو العراقي للكويت ام حول الشيشان او افغانستان او غيره وفي الحالات التي وقعت فيها عملية تشابه بين اهداف الحركات الاسلامية وبين الغرب مثلا في البوسنة او كوسوفو او في افغانستان في زمن مواجهة الاحتلال السوفييتي بدعم امريكي وجدنا ان ذلك التحالف كان مؤقتا سرعان مازال بفعل الصراع والصدام. وفي حالة الصراع حول فلسطين مارست الحركات الاسلامية ذات الممارسات التي مارستها الحركات القومية: اعتبار القضية الفلسطينية قضية للتعبئة وللصراع السياسي ومدخلا لتقوية مواقعها الداخلية في الصراع على السلطة وذلك لمعرفتها بان القضية الفلسطينية وسيلة لكسب الجماهير التي تدين بالولاء الكبير لها ولمركزيتها في العالم العربي والاسلامي. لقد جاءت احداث الحادي عشر من سبتمبر لتعلن وضعا جديدا، ولتكون المحطة التاريخية التي تهز ايضا كل ما تبنته الحركة الاسلامية من توجهات كانت تعتقد انها صائبه، في هذا يواجه الاسلام السياسي ما سبق وان واجهته القومية العربية في اعقاب هزيمة يونيو عام 67. ان حضارتنا مطالبة اليوم بالتساؤل عن المستقبل، عن الطريق الذي اتبعته في الماضي وعن الطريق الذي ستسلكه في المرحلة المقبلة، علينا ان نعود الى الذات ننتقدها بلا مغالاة ونقيمها بلا دفاعية، لا يعقل ان نكون على حق في كل شيء، ولا يعقل ان نكون مخطئين في كل مسألة، حقائقنا بحاجة لتقييم ومسلماتنا السياسية بحاجة لاعادة نظر. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية جامعة الكويت