رغم أن الحرب في أفغانستان تحتل موقع البؤرة في محور الاهتمام الأمريكي في هذه الأيام ـ إلا أن هذا الاهتمام لا يلبث يتحول مثل بندول الساعة ليركز أحيانا على الأخبار والتطورات في فنزويلا على وجه الخصوص. ولا يرجع هذا الاهتمام الذي نلحظه في الميديا الأمريكية ـ الصحافة المكتوبة بالذات وليس الاعلام الالكتروني من راديو وتليفزيون ـ الى مجرد الشعور بالجيرة بين واشنطن وكاراكاس حيث الأولى في أمريكا الشمالية والثانية ـ كما هو معروف أيضا ـ في قارة أمريكا الجنوبية ـ ولكنه يرجع في رأينا الى عوامل شتى من أهمها بالطبع حقيقة أن فنزويلا دولة بترولية يعتد بها سواء من حيث حجم الانتاج أو الاحتياطيات البترولية أو من حيث دورها الديناميكي المشهود في اطار منظمة الأقطار المصدرة للبترول ـ الأوبك. ومن هذه العوامل أيضا ذلك العامل السياسي الذي لا يكاد المراقب يلمسه في الميديا الأمريكية دون أن يجد تعبيرا صريحا عنه لا في سطورها ولا بين تلك السطور ـ هذا العامل يتمثل ـ كما نرقبه من مرصدنا الحالي خلال اقامتنا الراهنة بالولايات المتحدة ـ في أن رئيس فنزويلا شافيز ليس بالشخصية المفضلة لدى المنظومة السياسية في واشنطن فهم أولا يربطون بينه وبين حزمة من السياسات التي يصفونها بأنها يسارية حيث يتم تطبيقها في الجارة الأمريكية الجنوبية ـ البترولية حتى لا ننسى وهو ثانيا سياسي ديناميكي بدوره لم يتورع عن التواصل مع أقرانه من الساسة والحاكمين في أكثر من دولة بالعالم الثالث رافعا شعارات من التضامن وخاصة في المجال البترولي بوجه الاحتكارات العملاقة التي تسيطر على أسواق الخامات سواء كانت هذه الاحتكارات تنتمي الى أوروبا الغربية أو الى الولايات المتحدة.. وقد لا تغفر واشنطن لشافيز حقيقة زيارته خلال العام الحالي لبغداد في بادرة علنية أعرب فيها عن تضامنه مع الشعب العربي في العراق بوجه سنوات العزل والحصار. 180 عاما من الاستقلال فنزويلا ما زالت معتزة بثقافتها ذات الأصول الأسبانية فيما تعتز أكثر بطول عهدها بالاستقلال ـ استوطنها الأسبان في عام 1520 أي بعد رحلة كولومبوس الشهيرة الى شواطئ نصف الكرة الغربي بأقل من 30 سنة ثم حصلت على استقلالها منذ عام 1821 ـ ولكنها وضعت وما زالت موضوعة في موقعها البارز على خارطة الاهتمام العالمي في ضوء جوهرية تقول باختصار شديد: - إن فنزويلا، عدد سكانها 24 مليون نسمة تقريبا، تضم أكبر احتياطي بترولي في العالم خارج منطقة الشرق الأوسط. ولأنها المنتج البترولي الأقرب الى الولايات المتحدة فهي مسئولة عن تزويد أمريكا بنسبة تقرب من 15 في المئة من الواردات الأمريكية من البترول حيث بلغ معدل الاستيراد الأمريكي من فنزويلا 1.52 مليون برميل يوميا في عام 2000 الماضي ـ احصاءات ادارة المعلومات النفطية الأمريكية ـ ولا يسبقها في ذلك سوى دولتين الأولى كندا التي تزود أمريكا بمعدل 1.69 مليون برميل يوميا ثم السعودية التي تزودها بمعدل 1.57 مليون برميل يوميا ـ المصدر السابق ـ ثم يلحق بفنزويلا كل من المكسيك 1.36 مليون برميل يوميا ونيجيريا تسعة أعشار المليون برميل يوميا. بهذه المناسبة.. تؤكد احصاءات ادارة المعلومات النفطية الأمريكية السالفة الذكر حقيقة أن أكبر الاحتياطيات البترولية المؤكدة بحمد الله في العالم موجودة في أرض الشرق الأوسط وأنها مرتبة على الوجه التالي بمليارات البراميل: - المملكة السعودية 259 والعراق 112 ثم الامارات العربية المتحدة 98 والكويت 94 وايران 90 وبعد الشرق الأوسط تأتي بطلة هذا المبحث فنزويلا 77. دراسة احصائية أمريكية تورد هذه الاحصائيات ضمن دراسة مستفيضة صحيفة «نيويورك تايمز» عدد 7/12/2001 ثم تضيف الدراسة وهي بقلم خوان فوريرو أن تذبذب الأوضاع في الشرق الأوسط ـ الاشارة هنا الى العراق والموقف في الضفة الغربية وقطاع غزة بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الاسرائيلي ـ زادت من جاذبية فنزويلا في عيون الشركات الأجنبية المتعددة الجنسية الراغبة في توظيف استثماراتها في ذلك البلد الأمريكي ـ الجنوبي وأيضا في عيون صانعي السياسة في ادارة الرئيس بوش الحالية فضلا عن الحقيقة التي تقول أن بترول فنزويلا لا يستغرق شحنه ونقله سوى 4 أيام هي قوام رحلة الناقلة بين سواحل فنزويلا والسواحل الجنوبية الواقعة على ضفاف الكاريبي في الولايات المتحدة الأمريكية. واشنطن ترصد التطورات في ظل هذه الحقائق، لم يكن صدفة أن ترصد واشنطن باستمرار التطورات المستجدة على المسرح السياسي في كاراكاس وخاصة بعد صدور 40 قانون من جانب حكومة الرئيس هوجو شافيز لتنظيم النشاط الاقتصادي في البلاد ومنها قانون شهير خاص بقطاع البترول وقد صدرت هذه الحزمة من التشريعات يوم 13 نوفمبر الماضي تحت شعار وصفته ادارة شافيز بأنه ثورة تشريعية واجتماعية واقتصادية لاصلاح أحوال البلد الذي يعد الرابع من حيث الحجم والسكان والأهمية في قارة أمريكا اللاتينية. وقد استهدف قانون البترول الجديد مضاعفة العائد الذي تحصل عليه خزينة الدولة من أنشطة الشركات الأجنبية المتعددة الجنسية فضلا عن كفالة المزيد من سيطرة الحكومة على قطاع اقتصاديات البترول مما يؤدي سواء الى تقليص نشاط القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي أو الى ممارسة قدر أكبر من السيطرة على القطاع المذكور وربما يؤدي كما تقول الدراسة الأمريكية التي أحلنا اليها الى ابطاء خطى النمو في الصناعات البترولية في فنزويلا أو الى تثبيط حماس رأس المال الأجنبي نحو توظيف استثماراته على صعيدها. من ناحيتهم يقول معاونو الرئيس شافيز وهم المسئولون طبعا عن اصدار القوانين الجديدة في نوفمبر الماضي أن هذه القوانين وخاصة قانون تنظيم النشاط البترولي ترمي من ناحية الى تحديث وبلورة منظومة قانونية عتيقة يرجع بعض بنودها الى 60 عاما مضت، فيما يرمي من ناحية أخرى الى زيادة الايرادات التي تحصل عليها حكومة كاراكاس ـ وخاصة في ضوء انخفاض أسعار البترول منذ الصيف الماضي ـ بحيث تتمكن تلك الحكومة من الوفاء بوعودها التي قطعتها من أجل رفع مستوى معيشة الفقراء والمستضعفين في البلاد من خلال إنشاء وتشغيل مشاريع جديدة وتنفيذ خطط طموحة من شأنها أن تؤدي ـ في حجومها ـ الى اصلاح مؤسسات التعليم والضمان الاجتماعي والدعم الاقتصادي بحيث تغطي قطاعات شتى ما بين الصناعة الى البترول الى الاصلاح الزراعي. في هذا الصدد يقول الفارو سيلفا الوزير المسئول عن شئون الطاقة والثروة المعدنية في فنزويلا: - لقد كانت حكومتنا مصممة على أن تلغي تلك الاتفاقات التي أبرمت في الماضي وكانت تبالغ في اعطاء المزيد والمزيد لصالح الشركات الأجنبية المتعددة الجنسيات وكنا بهذا نعزز مكانة شركة البترول الوطنية بنزولاس دي فنزويلا. رفع اتاوة البترول من هنا أصبح القانون الجديد يقضي برفع إتاوة النشاط البترولي التي تدفعها الشركات والاحتكارات الأجنبية من 20 في المئة الى 30 في المئة للشركات التي تنتج النفط الخام الثقيل. وفي هذا الصدد أيضا يقول رئيس لجنة العلاقات الخارجية في برلمان فنزويلا ولاسمه رنين عربي هو طارق ويليام صعب: - أن لدينا سياسة قومية تهدف الى تنمية اقتصادنا وهذه السياسة تهدف أساسا الى مواجهة النظام النيوـ ليبرالي الذي يعطي كل شئ باسم رأس المال الخاص بينما لا يكاد يترك شيئا لصالح البلاد.ومن الطبيعي أن يكون لمثل هذه السياسات من ينتقدونها من صفوف المعارضة وخاصة من بين النخبة ـ أو الصفوة الذين قد يستغرب المرء أن يضموا مثلا القيادات النقابية والفعاليات الناشطة في قطاع التجارة ودوائر الأعمال وفي مقدمتها الفيديكابيراز أقوى تجمع لقطاع البيزنس في فنزويلا الذي دخل في تحالف مع النقابات العمالية لاعلان تظاهرة تقضي بالتوقف الشامل لمدة 12 ساعة كاملة عن جميع الأنشطة العمالية والتجارية في كل أنحاء البلاد احتجاجا على القوانين التي أصدرتها حكومة هوجو شافيز.. وقد تم هذا التوقف أو الاضراب يوم الاثنين العاشر من ديسمبر فأصاب بالشلل اقتصاد البلد وجاء تجسيدا للتناقض السياسي الحاد على حد عبارات خوان فوريرو ـ «نيويورك تايمز» عدد 11/12/2001 بين رئيس الجمهورية ذي الميول اليسارية وبين النخبة التي يزداد عداؤها للرئيس على مستوى البلد. وفيما يعتز رئيس تجمع البيزنس واسمه بدرو كارمونا بأن الاضراب قد كشف عن قوة المجتمع المدني في فنزويلا، فإن الرئيس شافيز نفسه يصف اجراءاته بأنها ثورة لا تقهر وربما كان شافيز يصدر في هذا عن قراءته لاستطلاعات الرأي العام وعن واقع شعبيته الواسعة التي يتمتع بها ـ كما تقول الدراسة الأمريكية التي رجعنا اليها ـ بين صفوف الجماهير الفقيرة في بلاده وبالتحديد بين الملايين من أهل فنزويلا الفقراء الذين يشعرون بالامتنان لأن حكومة الرئيس شافيز استطاعت أن تطيح بالنظام القديم ـ الفاسد ـ وأن تعد الناس باصلاحات تؤدي الى تحسين حياتهم. لا عجب إذن أن يفشل اضراب الاثنين، العاشر من ديسمبر في أحياء فنزويلا الفقيرة حيث ظلت حركة البيع والشراء والنشاط الاقتصادي بعامة بعيدة عن التأثر بذلك الاضراب.. وفيما كانت الأسواق المركزية ـ المولات ـ الأنيقة موصدة الأبواب.. فإن بائعي الشوارع ظلوا يتجولون ويقدمون بضائعهم الى الناس وظلت الدكاكين الشعبية تقدم بضائعها الى جماهير المستهلكين حيث كان الكثيرون يقولون: نحن لا نملك تأييد مجمعات البيزنس.. إنها بالنسبة لنا رمز لفساد الأحزاب السياسية القديمة التي جاء السنيور شافيز لسحقها. عمدة العاصمة معارضا مع ذلك، ولأن فنزويلا ـ كما ألمحنا ـ لها مكانتها الخاصة والمهمة في دائرة اهتمام الولايات المتحدة وهي مكانة بترولية بالدرجة الأولى ـ فلم يسع واشنطن إلا أن يكون لها صوت مؤيد على الساحة السياسية في جارتها الجنوبية اللاتينية.. وهذا الصوت يعبر عنه رئيس بلدية العاصمة كاراكاس ـ عمدتها كما يسمونه واسمه الفريدو بنيا الذي كان في العاصمة الأمريكية مؤخرا حيث لوحظ بالذات أنه قام بزيارة البنك الدولي وأيضا ـ وهذا هو الغريب ـ بزيارة وزارة الخارجية الأمريكية بمعنى أنهم لم يعاملوه بوصفه رئيسا لعاصمة لاتينية بل عاملوه كسياسي وكخصم لا يستهان به للرئيس شافيز.ولم يكن غريبا من ثم أن يقول عمدة العاصمة أنه مستاء للغاية إزاء السياسة الدولية لحكومته. بل ويمضي شوطا أبعد فيصف التقارب بين الرئيس الفنزويلي شافيز والرئيس الكوبي كاسترو بأنه علاقة بربرية وأنه سلوك عبثي أحمق.. الخ ولاشك في أن مثل هذه الأوصاف لها وقع الموسيقى في أسماع صانعي السياسة الأمريكان المهتمين بشئون أمريكا اللاتينية، وربما بشئون البترول وشجونه بشكل عام. السنيور الفريدو بنيا جاء الى صرح السياسة في بلاده من مسرح الاعلام حيث كان يعمل مقدما للبرامج في التليفزيون.. ومن ثم فهو يستخدم نبرات صوته الاذاعي ومهاراته الاعلامية السابقة من أجل أن يوجه سهام الانتقاد اللاذع الى الرئيس شافيز والى السياسات التي يتبعها ومجموعة القوانين التي عمل مؤخرا على اصدارها. عن البترول والدبلوماسية ومن الطريف أن الذين يتابعون التطورات السياسية في تلك الدولة البترولية ـ الأوبكية ـ كما قد نصفها لا يلبثون يطرحون سؤالا يقول: - اذا كان هذا هو الحال بين مؤيدي الرئيس الفنزويلي ومنتقديه.. فما هو موقف شركات البترول العاملة بالفعل في بلاده؟ اجابة السؤال تتلخص في عبارات خوان فوريرو على النحو التالي: - شركات البترول تعتمد موقفا دبلوماسيا حيث يقول الناطق باسمها: نحن في النهاية ضيوف في فنزويلا.. والضيف لا يقول طبعا لصاحب البيت بأي أسلوب يدير بها شئون منزله. ومع ذلك فلسوف يكون من واجبنا أن ندرس بإمعان سائر المشاريع التي يقتضي الأمر أن نقوم بتنفيذها في مستقبل الأيام. ـ كاتب سياسي من مصر