إحدى هواياتي في شهر رمضان القراءة عن الفنون الإسلامية ومضي وقت بين لوحات الآثار الإسلامية، أو لوحات مأخوذة عن مخطوطات، أو الصورة المأخوذة من صفحات مخطوطات قديمة. وامتلك في هذا المجال مكتبة صغيرة أعتز بها، وأهرع إليها عندما أريد أن أقضي وقتا ممتعا، ويتاح لي الفراغ، فأسبق الإفطار بهذا النوع من المتعة، أو أختلس بعض الوقت قبل السحور، وأمضي في القراءة وتأمل اللوحات. وقد وقع بصري على موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية بينما كنت اتطلع الكتب والمجلدات المتراصة في منطقة الفنون الإسلامية من مكتبتي، وتذكرت صاحب الموسوعة المرحوم حسن الباشا الذي كنت، ولا أزال، أراه واحدا من أعظم علماء الآثار الإسلامية، وقد عرفته منذ سنوات بعيدة في جامعة القاهرة التي ننتسب إليها، لكنه كان من الجيل القديم الذي سبقني إلى الجامعة بعقود، بينما أنتمي إلى الجيل الأحدث الذي هو في حكم طلابه. وتعرفت على هذا العالم الجليل أكثر أثناء عملي في المجلس الأعلى للثقافة، ولا أخجل من إعلان أنني كنت متحمسا لحصوله على جائزة الدولة التقديرية في الفنون، وهي الجائزة التي حصل عليها بالفعل سنة 1992 فشرفت به الجائزة، شأنه في ذلك شأن العلماء الأجلاء الذين استحقوا الجائزة وأضافوا إليها، على عكس هؤلاء الذين لا يستحقون الجائزة رغم أنهم يحصلون عليها بالعلاقات العامة أو ضغوط الحياة الزائلة، واقتربت من الرجل أكثر عندما رشحته للعمل مقررا للجنة الآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فكان أول مقرر لها، وترك لها مجموعة من التقاليد التي تعتز بها اللجنة. وكان الرجل ـ رحمه الله ـ يعرف حبي للآثار الاسلامية والفنون بعامة، ولذلك كان حريصا على اهدائي مؤلفاته، كما كنت حريصا على متابعة مايكتبه والافادة منه، وقد أصدر ـ رحمه الله ـ أربعة عشر مجلدا عن: التصوير الاسلامي في العصور الوسطى، وفنون التصوير في مصر الإسلامية، ومدخل إلى الآثار الإسلامية، والعمارة والفنون الإسلامية والآثار الإسلامية في الجزيرة العربية، وتاريخ الفنون البدائية وتاريخ الفن في العراق القديم، وتاريخ الفن في عصر النهضة وتأثيره في الفنون الأوروبية، وتاريخ البحرية في الإسلام، وغيرها من المجلدات العظيمة. ولذلك عرفت الدولة فضله فنال جوائزها وأوسمتها المختلفة. وقد فاجأني صديقي محمد رشاد ذات صباح بهيج بأن أهداني (موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية) بمجلداتها الخمسة. وأذكر تهلل وجهه وهو داخل إلى مكتبي يحمل المجلدات التي قدمها إلى مفاخرا بطباعتها. وعندما قلبت المجلدات، وتصفحتها لبعض الوقت، وهو جالس أمامي، ينتظر رأيي، شعرت أن من حقه أن يفخر بهذا العمل الجليل، وقلت له هذا هو العمل الذي يستحق التهنئة حقا، ويستحق التشجيع والتقدير، وحييته على تحمله عبء نشر هذه المجلدات التي لا ينهض بعبئها الناشرون عادة، خصوصا في سعيهم وراء الربح السريع، وأذكر أن صديقي محمد رشاد اشتكى بعض الشيء من عدم تشجيع المؤسسات الرسمية لأمثاله من الناشرين عندما يقومون بمثل هذا العمل، ولكنني قلت له: لاشك أن التشجيع لابد أن يصل وإن تأخر، وأن تقدير المثقفين لمثل هذا النوع من النشر هو وسام بالقطع على صدر الناشر الذي يضيف إلى معلوماتنا، ويظهر مكانة علمائنا، ولاشك أن نشر موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية، يدخل في هذا الباب، ويستحق تحية خاصة لناشره. وها أنذا أمد يدي إلى مجلدات الموسوعة الخمسة، وأضعها أمامي، وأتوقف بوجه خاص عند المجلدين الرابع والخامس، فقد جمع فيهما المرحوم حسن الباشا كل الصور واللوحات والرسوم الخاصة بالبحوث التي تضمنتها الموسوعة كلها. وتنقلت مع الصور من القاهرة الإسلامية في عصورها الفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، ولم تفتني الصور التي تكشف عن بقايا قصر العيني القديم، والحفريات التي قام بها الدكتور الباشا قبل بناء القصر الجديد الذي أصبح يطلق عليه (القصر الفرنسي) لأنه بني بدعم فرنسي، ومن شركات فرنسية، لكن لايزال العجائز يذكرون القصر العيني القديم، نسبة إلى السلطان العيني، ويميزون بين القصر القديم والجديد.. ولم تكن الصور تقتصر على الآثار المصرية وحدها، فهناك آثار من العراق ومن السعودية ومن اليمن ومن غيرها من الأقطار العربية التي اهتم الدكتور الباشا بآثارها وتولى دراستها وتدريسها، وتدريب الأثريين الشبان على العمل بها في الوقت نفسه، وأسهم بذلك في تكوين أجيال متتابعة من الأثريين. ولما فرغت من تقليب الصور عدت إلى مقدمة الكتاب لأسترجع خطته، وأعبر الخطة إلى وقفه هنا أو هناك عند هذا الفصل أو ذاك، لاكتساب معلومة لم أكن أعرفها، أو الوقوف على خصائص جمالية للعمارة الإسلامية أريد الإستزادة منها والموسوعة ليست موسوعة بالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن عندما نتذكر دائرة المعارف الإسلامية مثلا، وإنما هي تجميع لكل البحوث التي كتبها المرحوم الباشا عن العمارة والآثار والفنون الإسلامية على امتداد خمسين سنة تقريبا. وقد لاحظ أنها تشمل التراث الإسلامي وتغطي عصوره المختلفة، وأنها إذا جمعت تشكل موسوعة مهمة، وبالفعل قام بمساعدة بعض تلاميذه الأوفياء بجمع حوالي مائتين بحث باللغة العربية، وخمسين بحثا باللغة الإنجليزية، وهي في مجموعها تتناول تقريبا جميع جوانب العمارة والآثار والفنون الإسلامية في مختلف أنحاء العالم بدءا من عصر ما قبل الإسلام حتى العصر الحديث مع دراسات عن تأثيرها في الحضارات الأخرى وتأثرها بها في الوقت نفسه، وقد كان رحمه الله من المؤمنين أن الحضارات تتبادل التأثر والتأثير، وأنه لا يمكن لحضارة مزدهرة أن تنغلق على نفسها، وتنعزل عن غيرها من الحضارات، فحيوية أية حضارة مرتبطة بقدرتها على الانفتاح على غيرها، والإفادة من المتقدم عنها، والإضافة إلى غيرها في تتابع الحضارات عبر التاريخ البشري. وقام الدكتور الباشا بترتيب بحوثه تاريخيا وموضوعيا بصرف النظر عن تاريخ نشر كل بحث على حدة، ولكنه كان أمينا فأثبت تاريخ النشر ومكانه مع كل بحث من البحوث، استغرقت هذه البحوث أكثر من ألفين وخمسمائة صفحة، وزعها على خمسة مجلدات، فضلا عن الفهارس والكشافات الخاصة بالاعلام والاماكن والمصطلحات الفنية وبدأ البحوث على سبيل التيمن بما كتبه عن المساجد الثلاثة التي نشد إليها ـ نحن المسلمين ـ الرحال: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وأنهاها ببحوثه عن كتابة القرآن الكريم والمصحف الشريف بوصفه مسك الختام، وفيما بين البداية المباركة والنهاية الكريمة رتب الدكتور الباشا سائر البحوث في سبعة مجالات. أولها مجال الفن الإسلامي بوجه عام وثانيها العمارة الإسلامية عموما، وثالثها العمارة الإسلامية في مصر، وألحق بهذا الباب دراساته عن قصر العيني القديم قبل هدمه، والتسجيلات الميدانية لعمارته، وما أجرى به من حفائر، وما اكتشف فيه من تحف.ويأتي الباب الرابع عن العمارة الإسلامية خارج مصر، ورتب موضوعاته حسب الأقطار الإسلامية: السعودية واليمن وسوريا والعراق وإيران ووسط آسيا والهند وتركيا والأندلس وصقلية. وجاء الباب الخامس للفنون التطبيقية والزخرفية بكافة أنواعها من سجاد ونسيج وفخار وخزف ومعادن ومسكوكات وزجاج وبلور صخري وخشب وعاج وجص وحجر ورخام ومشغولات بحرية وسفن وورق مع بحوث عن الطباعة وأنواع الزخارف الطبيعية.وضم الباب السادس بحوث التصوير من الصور الجدارية، أو صور المخطوطات، مع بحوث عن المدارس العربية والإيرانية والتركية والهندية وأشهر المصريين الإسلاميين بها. وانصرف الباب السابع إلى فنون الخط والتذهيب والتجليد من حيث نشأتها وخصائصها وتطورها وأنواعها، فضلا عن الكتابات الأثرية والتذكارية وشواهد القبور. ولم يفت الدكتور حسن الباشا التوجه بالشكر إلى كل من عاونه من تلاميذته، والشكر إلى الاستاذ محمد رشاد الناشر، والاستاذ محمود عطوي لإشرافه على طباعة الموسوعة. وكان من وفائه الدال على خلقه النبيل أنه صدر صفحات الموسوعة بتنويه وإهداء للمرحوم محمود وأكد شلهوب للجهد الكبير الذي بذله في إخراج الموسوعة، وإسهامه بفكره وعلمه وعمله من أجل أن ترى النور. ويقول الدكتور الباشا إن المرحوم محمود واكد شلهوب تحمل وحده عبء التجهيز الفني لطباعة الموسوعة، وكان حريصا على اتمامها في أسرع وقت، وكأنه كان يسابق الزمن في إخراجها، ولكن الزمن سبقه فعالجته المنية قبل ظهور الموسوعة إلى حيز الوجود. رحم الله هذين الرجلين الفاضلين. العالم حسن الباشا الذي تستحق ذكراه التكريم لما بذله من جهد واضافه من علم على امتداد خمسين عاما، والاستاذ محمود شلهوب على إخلاصه في عمله. ومن المؤكد أن المجلدات الخمسة بأناقة طباعتها وثراء محتوياتها ستظل شاهدا على إنجاز كل من الاثنين، كما ستظل شاهدا على شجاعة ناشر حرص على أن ينجز عملا لا يهدف إلى الربح المادي السريع وإنما يهدف إلى إثراء الثقافة العربية والإضافة إلى تراثها الغني الممتد إلى ما شاء الله.