في ظروف الأزمات المفصلية يرسم رؤساء الدول ذات السيادة قراراتهم الحاسمة وفقا لحسابات امكانيات القوة المادية بأنواعها: عسكرية واقتصادية ودبلوماسية اما قادة حركات التحرر الوطني التي عادة لا تتوافر لها السيادة على الموارد الوطنية المادية فانهم يستوحون قرارات الحسم من قوة الارادة ومدى استعدادهم للمخاطرة والتضحية اعتمادا على سند شعبي اجماعي، فكيف كانت حسابات ياسر عرفات عندما اعلن على شعبه والعالم بأسره تحديه الخطير لاسرائيل بأنه سيذهب الى بيت لحم «ولو مشيا على الاقدام»؟ ما ان اعلن عرفات رغبته بأنه قرر ان يغادر رام الله الى بيت لحم على بعد 20 كيلومترا ليشارك ابناء شعبه من المسيحيين الفلسطينيين الاحتفال بليلة عيد ميلاد المسيح عليه السلام واضعا بذلك نفسه في موضع تحد سافر للحظر الاسرائيلي المفروض عل تحركاته حتى فاجأه رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون بتحد جديد: لا خروج الى بيت لحم الا بعد ان يعتقل الرئيس الفلسطيني اولئك المواطنين الفلسطينيين من «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» المسئولين عن اغتيال وزير السياحة الاسرائيلي. وهكذا اكتمل المشهد الدرامي حين اكتشف عرفات ان تحديه وصل به الى موقف اختبار قوة مع الزعيم الاسرائيلي بالتالي اشرأبت الاعناق بين صفوف الشعب الفلسطيني والشعب الاسرائيلي والعالم بأسره بأعصاب مشدودة لينظروا كيف يتعامل الرئيس الفلسطيني مع هذا الاختبار وعندما رد عرفات على شارون بأنه مصر على الذهاب الى بيت لحم «ولو مشيا على الاقدام» فانه بذلك رفع مستوى التحدي الى اعلى درجة. هنا يطرح السؤال: هل كان عرفات عندما اطلق هذا التحدي الاخير يعرف ما يقول؟ هل كان يدرك انه في حالة انفاذه لتحديه عمليا انه في الحقيقة يخاطر بحياته وانه لن يتهيب هذه المخاطرة؟ الاجابة عن هذا السؤال لا يمكن اطلاقا ان تقع في منطقة رمادية، هي «نعم» قاطعة أو «لا» قاطعة. لو كان عرفات جادا في تحديه لشارون فان من المفترض انه بين تقديراته وحساباته على اساس ان خروجه الفعلي بسيارة او «مشيا على الاقدام» صوب بيت لحم سوف يضع شارون في اقصى درجات الحرج والارتباك حيث من المفترض ان الزعيم الاسرائيلي لن يجرؤ على اصدار امر بقتل عرفات مهما حشد في ذهنه من مشاعر الشجاعة والحماقة، اما اذا كان تحدي عرفات في الاصل مجرد «تهويش» فانه كان الافضل لو لم يقدم الرئيس الفلسطيني على هذه المخاطرة. وكما رأينا فان اختبار القوة انتهى بعد ان بلغ ذروته الى تنازل من عرفات ودون توضيح من جانبه فما هي النتيجة؟ ربما يعزي الرئيس الفلسطيني نفسه بأن «المجتمع الدولي» ادان المسلك الاسرائيلي. ولكن ماذا يقول عرفات لخصومه في الداخل من قادة المقاومة المسلحة الذين عمد الى اعتقال كوادرهم لمعارضة أمره بوقف العمليات المسلحة حتى يكسب تأييد «المجتمع الدولي». أجل.. دعا الاتحاد الاوروبي اسرائيل الى «عدم عرقلة اي بادرة ولو كانت رمزية يمكن ان تساهم في استئناف الحوار السياسي، وذلك في اشارة الى مشاركة عرفات في قداس عيد الميلاد في بيت لحم، ووزارة الخارجية الفرنسية اعتبرت انه سيكون «مدعاة فخر» لاسرائيل عدم منع عرفات من التوجه الى بيت لحم، وبابا الفاتيكان وصف القرار الاسرائيلي بأنه تعسفي، ورغم ان الولايات المتحدة لم تشجب المسلك الاسرائيلي الا انها حثت شارون على التخلي عن قراره. مع ذلك يبقى تساؤل كبير: لماذا لم يتخذ الغرب خطوات عملية حازمة ضد اسرائيل؟ وسوف يسأل قادة المقاومة الرئيس عرفات: اذا كان ذلك «المجتمع الدولي» قد فشل في مساعدة الرئيس الفلسطيني لزيارة بيت لحم فماذا يرجى منه تجاه قضايا المصير الفلسطيني؟