ظلت موسكو، حتى الساعات الاخيرة التي سبقت اعلان واشنطن قرارها بالانسحاب من معاهدة «اي. بي. ام» في الثالث عشر من ديسمبر الجاري، تحاول ثنيها عن هذه الخطة التي تشكل، من وجهة نظرها، تهديداً للامن الاستراتيجي العالمي، لذلك لم تفاجأ القيادة الروسية بالقرار الامريكي واستقبلته بهدوء، ولكن مع اعادة التأكيد بأنه كان قراراً خاطئاً. وفي الواقع فإن الادارة الامريكية، منذ تسلمها السلطة مطلع العام الجاري، لم تترك فرصة إلا وانتهزتها لإبلاغ القيادة الروسية عزمها على الانسحاب من المعاهدة الخاصة بالسيطرة على الاسلحة النووية التي وقعت عام 1972 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ذلك ان استراتيجيتها الامنية تقوم على التخلص من مختلف المعاهدات الدولية التي وضعت خلال مرحلة الحرب الباردة، والتي تحدّ من حرية حركتها على الصعيد العالمي، بعدما اصبحت القوة العظمى الوحيدة وصاحبة الكلمة الاولى والاخيرة في الشئون العالمية كافة. وحتى لا يبدو الامر بمثابة تحد واستفزاز للقيادة الروسية حاولت الادارة الامريكية اقناع موسكو بالانسحاب ثنائياً من المعاهدة بما يؤدي الى اسقاطها تلقائياً، لكن الحكومة الروسية، التي اعلنت مراراً عدم اقتناعها بالمبررات التي تستند اليها واشنطن للتخلص من المعاهدة، ظلت متشبثة بموقفها على رغم ادراكها ان ادارة الرئيس جورج بوش ستنفذ قرارها في نهاية المطاف، فأوراق المساومة التي يملكها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تكاد تكون معدومة، ولهذا ظلت الورقة الوحيدة التي يلوّح بها، او يحاول اغراء الرئيس بوش بأهميتها هي ورقة الخفض الحاد في عدد الرؤوس النووية لدى كلا الطرفين، بما يتدنى حتى عن مستوى ما تم تحديده في اتفاقية «ستارت ـ 3» التي لاتزال الولايات المتحدة تؤخر توقيعها منذ عدة سنوات، بحيث يحتفظ كل منهما بنحو 1500 رأس نووية، من اصل 7 آلاف رأس تملكها الولايات المتحدة و6 آلاف تملكها روسيا، وكانت معاهدة «ستارت ـ 2» الموقعة بين البلدين عام 1997، حددت مستوى الخفض بـ 3500 رأس نووية لواشنطن و3000 رأس لروسيا بحلول 31 ديسمبر 2007م. بيد ان هذا الخفض الراديكالي على حد وصف بعض خبراء التسلح لا يشكل اغراءً كبيراً لواشنطن، أولاً لان البنتاجون «وزارة الدفاع الامريكية» حددت حاجتها الى نشر ما يتراوح بين 1800 و2250 رأساً نووية لحماية الولايات المتحدة «بطريقة صحيحة» وثانيا، لان مثل هذا الخفض يضعف ذرائع الادارة الامريكية المتعلقة باقامة درعها الصاروخية، وان كانت واشنطن تسعى لايهام موسكون بأن الدرع ليست موجهة ضدها وانما ضد دول اخرى تسميها «مارقة»، كالعراق وايران وليبيا والسودان وكوريا الشمالية. تمهيد مبكر للتراجع وكان وزير الدفاع الروسي سيرجي ايفانوف مهد لتقبل موسكو مسألة انسحاب واشنطن من المعاهدة بقوله ان روسيا والولايات المتحدة «تبحثان عن سبل لاقامة نظام جديد للامن، ملمحاً الى ان موسكو تأمل بأن تؤدي دور «الشريك» في مثل هذا النظام. وقد جاءت هذه الاشارة المبكرة في اعقاب زيارة مستشارة البيت الابيض للامن القومي كوندوليزا رايس الى موسكو في اواخر يوليو الماضي حيث ناقشت هذا الموضوع مع كبار المسئولين الروس. وخلال تلك المحادثات التي شارك فيها من الجانب الامريكي وزير المال بول اونيل ووزير التجارة دونالد يافنس، تلقت القيادة الروسية وعداً بالغاء القيود الامريكية المفروضة على التعامل التجاري مع روسيا باعتبار ان الاخيرة تجتاز مرحلة انتقالية نحو اقتصاد السوق، وفي هذا الصدد قال الرئيس الروسي بوتين ان بلاده انجزت التحول الى اقتصاد السوق مما يؤهلها للانضمام الى منظمة التجارة العالمية. وعاد وزير الدفاع الروسي فكرر في تصريحات ادلى بها اخيرا الحديث عن ان الحكومة الروسية «ستوقع مع واشنطن اتفاقا جديدا لخفض السلاح النووي». واهمية هذا الاعلان الجديد تكمن خصوصا في انه تم اثناء مشاركة الوزير ايفانوف في اعمال المجلس المشترك لحلف شمال الاطلسي وروسيا الذي ناقش شكل العلاقات الجديدة بين الجانبين بعد اعتماد صيغة للتعاون مع الحلف تأمل موسكو من خلالها الحصول على حق التصويت او الاعتراض عن قرارات الحلف، ما يعني تمكنها عمليا من المشاركة في رسم سياساته. وكان الجانبان اتفقا على بدء مفاوضات لانشاء مجلس جديد للملف الاطلسي وروسيا السنة المقبلة يتكون من 20 عضوا من دون ان يكون لروسيا حق النقض. بيد ان موسكو تطمح، كما اكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الى احتلال موضعها كاملا داخل الحلف. وفي ختام اعمال المجلس، الذي شملت مناقشاته مسألة انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة «اي. بي. ام» عقد وزير الدفاع الروسي مؤتمرا صحفيا اعلن فيه ان موسكو وواشنطن ستوقعان في يونيو المقبل، اثناء زيارة الرئيس الامريكي الى روسيا معاهدة «ستارت ـ 3»، على ان يتم الاتفاق على رقم محدد لمستوى الخفض المتبادل في عدد الرؤوس النووية قبل القمة الروسية ـ الامريكية. واثارت تصريحات الوزير ايفانوف حملة انتقادات واسعة في الاوساط السياسية والعسكرية الروسية التي رأت فيها نوعا من الاستسلام للارادة الامريكية، حيث قدم للكرملين العديد من التنازلات امام الادارة الامريكية، في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة الروسية انها لا تنوي الرد على البرنامج الامريكي الخاص باقامة شبكة صاروخية ضد الصواريخ، ولا تريد زيادة نفقاتها العسكرية بعد القرار الامريكي بالانسحاب من معاهدة «اي. بي. ام». الحسابات الروسية ولا تبدو الحكومة الروسية قلقة من الدرع الصاروخية الامريكية، اذ اعتبر وزير الدفاع ان المشروع ليس سوى «وهم» وانه سيلاقي المصير ذاته لمشروع «حرب النجوم» في الثمانينيات خلال عهد ادارة الرئيس السابق رونالد ريجان. لكن الوزير الروسي اعرب عن مخاوفه من ان يثير البرنامج الامريكي سباق تسلح بين عدد من الدول الاخرى، منها الهند وباكستان وايران واسرائيل، ولم يأت ايفانوف على ذكر الصين في هذا السياق، مع ان المحللين الاستراتيجيين يجمعون على ان الصين بالذات هي المستهدفة بالدرع الامريكية باعتبارها الوحيدة، بعد روسيا، التي تملك امكانيات تقنية تتيح لها ايصال قنابلها النووية الى مختلف انحاء الولايات المتحدة بواسطة صواريخ بالستية لديها منها حاليا نحو 20 صاروخا، ويمكن زيادة هذا العدد، بالاضافة الى تطوير صواريخ قادرة على حمل عدة رؤوس نووية، اذا ما قررت بكين الدخول في سباق تسلح جديد تحت تأثير الخوف من انفراد الولايات المتحدة بوضع يتيح لها تهديد الآخرين من دون ان تخشى تهديدا مماثلا. وثمة اعتقاد لدى موسكو، بحسب ما اعلن وزير الدفاع الروسي، ان قرار واشنطن بانشاء شبكة مضادة للصواريخ اتخذ بتشجيع من مجمع الصناعات الحربية في الولايات المتحدة الذي يريد الحصول على ارباح طائلة، حتى ولو ظلت الاهداف المعلنة للمشروع مجرد اوهام وتقدر نفقات هذا المشروع بنحو مئة مليار دولار. وفي السياق نفسه اعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان لموسكو الحق الآن في تثبيت رؤوس نووية منفصلة على صواريخها البالستية، وأوضح ان وضع ثلاث او اربع رؤوس على كل صاروخ وتزويده نظاما لاختراق الدروع سيجعل من الشبكة التي تنوي واشنطن اقامتها مجرد «العوبة ليست جدية او خطيرة». وقال بوتين مضيفا ان موسكو لن تستثمر هذا الحق، بل على العكس من ذلك فانها ستسعى لجعل العلاقات الروسية ـ الامريكية «اشد متانة» بما يحول العلاقة مع الغرب عموما، وامريكا خصوصا، الى دفع من الشراكة او التحالف». الأوساط السياسية والعسكرية في موسكو التي تبدي استغرابها للتراجع الذي تبديه القيادة الروسية أمام الضغط الامريكي المتواصل، تتساءل الى أين سينتهي هذا التراجع بروسيا؟ المحللون والخبراء في الشئون الروسية لا يجدون في خطوات الكرملين التراجعية أمرا غريبا، بل يعتبرونها سياسة ذكية ومحاولة استثمار بعض العوامل الدولية الظرفية، أولا من أجل التغطية على عجز روسيا، وثانيا لتمكينها من تحقيق أكبر قدر من الفوائد السياسية والاقتصادية دون ان تقدم مقابل ذلك ثمنا باهظا. ويقول هؤلاء المحللون اوالخبراء ان القيادة الروسية أدركت منذ البداية ان الادارة الامريكية عازمة فعلا على تنفيذ مشروع الدرع الصاروخية لكنها لا تستطيع ان تفعل ذلك دون الانسحاب من معاهدة «إي.بي.ام» التي تحرّم بناء شبكات صاروخية مضادة للصواريخ. الى ذلك، فهي تريد التخلص من جميع الاتفاقيات الناشئة عن مرحلة الثنائية القطبية، وتلك التي تقيّد حركتها وتمنعها من اتخاذ قرارات منفردة. حيال ذلك كان على موسكو إما ان تتصدى للهجمة الامريكية، وهي لا تستطيع ذلك فعليا بسبب ظروفها الاقتصادية بالغة الصعوبة، وإما ان تحاول اعتماد سياسة مرنة لتجنب الصدام أولا، وللمساومة بهدف تحقيق بعض الفوائد السياسية والمادية ثانيا. وقد فضّلت الخيار الثاني بطبيعة الحال. 11 سبتمبر: رُب ضارةٍ نافعة! عند النظر الى هجمات 11 سبتمبر الماضي وتأثيراتها المختلفة يهدف القول المعروف بالنسبة لموسكو «رُب ضارةٍ نافعة»! فالقيادة الروسية أدركت ان أمامها فرصة سياسية لا تعوّض من أجل اعادة ترتيب العديد من الملفات وفقا لمصالحها. وكان الأمر يتطلب منها وبكل بساطة، اظهار التضامن الكامل مع الولايات المتحدة وابداء الرغبة في التعاون معها لمكافحة الارهاب الذي كانت موسكو تشكو منه دائما، على خلفية نزاع الشيشان وفي مواقع عديدة اخرى. كما كان عليها مساعدة واشنطن في الحصول على تسهيلات في دول آسيا الوسطى، لاسيما في أوزبكستان وطاجيكستان، تمكن قواتها المشاركة الفعالة في الحملة العسكرية على افغانستان. ولكن خلافاً للاعتقاد الذي ساد لبعض الوقت، بعد 11 سبتمبر، حول احتمال تصرف واشنطن النظر عن تنفيذ مشروع الدرع الصاروخية والانسحاب من معاهدة «إي.بي.ام»، فقد بدت الادارة الامريكية أكثر تصميما على انجاز هاتين الخطوتين المترابطتين، استنادا الى التفويض المطلق الذي حصلت عليه من مختلف المؤسسات الدستورية بتوفير كل مستلزمات تحقيق الهيمنة الكاملة للولايات المتحدة على العالم كله وعدم التساهل مع أية قوة تحاول اعتراض طريقها. وفضلا على انه لم تكن لموسكو النية ولا الرغبة في خوض أية مواجهة مع واشنطن، فهي وجدت الظرف مناسباً جدا لتحقيق نوع من تبادل الخدمات، ما يعينها على بلوغ أهدافها البعيدة والقريبة. فما الذي تريده القيادة الروسية؟ الأمر الأول الذي يشغل موسكو هو المواجهة التي تخوضها في جمهورية الشيشان وتسبب لها نزفا بشريا واقتصاديا تعجز عن تحمله لأمد طويل. وهي كانت تشكو باستمرار من ان افغانستان تشكل مصدر الخطر الرئيسي عليها نظرا لتحرك المقاتلين بين أفغانستان والشيشان عبر دول آسيا الوسطى التي يقدم بعضها التسهيلات لهم. ووفقاً للاتهامات الرائجة فإن الولايات المتحدة بنفسها لم تكن بعيدة عن هذا النشاط المسلح المعادي لروسيا، وذلك من أجل زيادة الضغط عليها واخضاعها وحملها بالتالي على تقديم تنازلات اضافية في الملفات الرئيسية التي تهم واشنطن. وعلى ذلك فقد بدت معركة افغانستان لموسكو بمثابة مصلحة امريكية ـ روسية مشتركة، بحيث يحقق كل طرف الفوائد التي يتوخاها منها. ولهذا كان التعاون الامريكي ـ الروسي في هذه المواجهة وثيقا جدا. أهداف استراتيجية عديدة إلى هذا، جعلت تطورات ما بعد 11 سبتمبر موسكو أكثر اقترابا من هدفها الاستراتيجي المتمثل بالانضمام الى حلف شمال الأطلسي واكتساب عضويته الكاملة. وعلى الصعيد الاقتصادي أصبح الطريق ممهدا الآن أمام روسيا للانضمام الى منظمة التجارة العالمية بعد ان حصلت على «شهادة امريكية» بالتحول نحو اقتصاد السوق. خلال جولته الأخيرة على بعض عواصم دول آسيا الوسطى ثم موسكو، أعلن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول ان العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا «تغيرت جوهرياً في اتجاه الأحسن منذ اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر الماضي»، كما أكد ان «درجة الثقة العالية التي نمت بين البلدين تسمح لكلا الطرفين بتحديد حجم حاجاته من الصواريخ واختيار الشكل الأنسب لحماية أراضيه». إنه «شهر عسل» حقيقي بين العدوين السابقين، فهل يدوم هذا الوضع السياسي طويلاً؟ ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا