ماذا بعد أن بلغ السيل الزبى وأصر شارون على المضى الى آخر المدى في تنفيذ قراره الغبي في منع أبوعمار من التجول في انحاء الضفة الغربية، ومنعه من حضور الاحتفال في بيت لحم بعيد ميلاد السيد المسيح؟ هل هناك أمل في أي لقاءات أو مشاورات أو مفاوضات سلام. وكيف يجلس السجين مع السجان ليتفاوض معه حول أي شئ؟ وكيف لزمت أمريكا الصمت وهي الشريك الكامل في المحادثات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية، ثم ما الذي تخشاه اسرائيل من اشتراك أبوعمار في الاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح؟ هل هو احتفال ارهابي يستهدف الاخلال بأمن اسرائيل؟ ولا أعرف ماهي خطوة أبوعمار القادمة؟ وان كنت على ثقة من قدرة أبوعمار المذهلة على الخروج من هذه المواقف الصعبة. فهو مناضل حقيقي ويتمتع بأعصاب باردة. يكفي أن بابا روما وصف قرار شارون بأنه قرار تعسفي، ويكفي أن رئيس حزب ميريتس الاسرائيلي المعارض وصف قرار شارون بانه قرار غبي، ويكفي أن جميع رؤساء الطوائف المسيحية حرصوا في طريقهم الى بيت لحم على زيارة رام الله والالتقاء برئيس السلطة الفلسطينية ، دليل على ان الشعب الفلسطيني كله مسلمين ومسيحيين يقف كله صفا واحدا خلف قيادة أبوعمار، وان كل ممارسات اسرائيل ضد هذه القيادة هي مجرد حرث في البحر. وأريد أن أسأل الادارة الأمريكية - ماذا وراء صمتها ازاء ممارسات شارون؟ ماذا تسعى اليه الادارة الأمريكية، هل الهدف هو تدمير السلطة الفلسطينية وعزل رئيسها؟ وهل أبوعمار ارهابي؟ واذا كان ارهابيا فماذا يكون شارون؟ وهل ستظل الادارة الأمريكية تكيل بكيلين؟ وأقول ان خطاب عرفات الذي اذاعه على الشعب الفلسطيني بمناسبة عيد الميلاد المجيد. كان خطابا متزنا ومسئولا يعرف حدود مسئوليته وحدود واجباته، وهو دليل على أن فلسطين ليست افغانستان، والسلطة الفلسطينية ليست طالبان وأبوعمار ليس الملا عمر. والشعب الفلسطيني بكل تنظيماته ليس شعبا ارهابيا، ولكنه يعاني من ارهاب دولة اسرائيل واذا كانت أمريكا تقود العالم الآن في الحرب ضد الارهاب، فأولى بها أن تحارب ارهاب اسرائيل. زكريا الحجاوي في مثل هذا الشهر رحل عن دنيانا منذ حوالي 27 عاما فنان مصري وأديب مصري ترك بصمته في كل مجال مارس العمل فيه. كتب القصة القصيرة فجاءت مجموعته الشهيرة (نهر البنفسج) نموذجا لفن القصة المصرية القصيرة، وجعلت منه واحدا من رواد هذا الفن مع محمود البدوي ويوسف الشارون ويوسف أدريس. واشتغل بالفن الشعبي فطاف بريف مصر من أسوان حتى براري كفر الشيخ، ينقب ويبحث ويلتقط الألحان القديمة والكلمات التي يتناقلها الشعب شفاهة دون أن يتوصل إلى معرفة مؤلفها المجهول، وإستطاع أن يخرج من هذا الكم الهائل ببرامج إذاعية وتلفزيونية وروايات مسرحية ، وكان الوجه الآخر لابداع أحمد رشدي صالح أستاذ الأدب الشعبي. ولكن أخطر ما قام به زكريا الحجاوي كان اكتشافه للمواهب التي لمعت من الفنانين الشعبيين ، خضرة الشريفة وجمالات شيحه وفاطمة سرحان ومحمد أبو دراع ومحمد طه ويوسف شتا وآخرين ، حملوا أعلام هذا الفن زمنا طويلا. ويذكر لزكريا الحجاوي أنه كان أول من اكتشف وبشر بظهور طوغان رسام الكاريكاتير كما كان أول من بارك موهبة العبقري صلاح جاهين ، وكان آخر موهبه قدمها زكريا الحجاوي للمجال الصحفي هي موهبة صحفي شاب واعد اسمه مصطفي نبيل وهو الآن رئيس تحرير مجلة الهلال وأزعم أنني ما عرفت مصر الحقيقية ولا تعرفت على الشعب المصري البسيط إلا من خلال مرافقتي لزكريا الحجاوي في رحلاته الكثيرة في ريف مصر وقراها بحثا عن لحن ضائع أو موال ناقص أذكر أنه ذات مرة التقي في أحد شوارع الجيزة بإمرأة فلاحة تبيع ليمونا وتغني تدعو الزبائن لشراء بضاعتها ووقف زكريا ينصت إليها ثم طاف خلفها بعض الشوارع الجانبية قبل أن يدعوها إلى منزله ويشتري كل ما معها من ليمون ، ثم جاء بجهاز التسجيل وسجل لها أغنيتها ، وقال لها زكريا يومها ، قضيت وقتا طويلا أبحث عن هذا اللحن ولكني لم أعثر له على أثر ثم عثرت على جزء منه في الأقصر ولكن هذه السيدة الفلاحة البسيطة تعرف اللحن كله وتغنيه دون أن تعرف أصله أو فصله.. وقد استخدم زكريا هذا اللحن في حلقات (كيد النسا) التي أذاعها البرنامج العام من إذاعة القاهرة وكان زكريا يبكي إذا استمع إلى موال مجهول المؤلف من أحد مطربي الأسواق ، وكان يقول عن هؤلاء الناس أنهم يحفظون حكمة الشعب المصري وفلسفته ، ويقومون بنقلها عبر الأزمنة والأجيال. رحم الله زكريا الحجاوي فنان الشعب الذي خلت الساحة من أمثاله بعد وفاته.