اذا كانت الحروب التي يستمتع بها انسان اليوم، متعجرفا بآلاتها الحديثة التي انتجها وتفنن في صناعتها وجعلها اكثر فتكا ببني جلدته هي قمة العبقرية التي اوصلت المجرمين والقتلة الى بسطها على الارض، وصارت هي الوحيدة اسلوبا للحوار الحضاري، فان الانسان بذلك يكون قد اسس لدمار الارض من الان. ومن يعود الى الاحصائيات التي ترصد ملايين الاطنان من القنابل المدمرة والسموم الخطرة التي أدخلها الانسان بفكره وعقله الى ميدان الحرب، ومن يحسب ما في مخازن الجيوش من هذا البارود القاتل، وما ترصده الدول للاحتفاظ بها، ومن يفك شيفرات اطماع القوى التي تريد فرض نفسها على الجهات الاربع في مدى البسيطة، يدرك تماما كيف سخر هذا الانسان المتعلم كل امكاناته للدمار، وللدمار فقط. الجمعية العامة للامم المتحدة قررت امس تحديد موعد الدورة الخاصة بالطفل، وذلك بعد ان تم تأجيله بسبب الاحداث العالمية الاخيرة، ولان الطفل يأتي في درجة متخلفة عن الاهتمام بالاطماع التي تحققها الحروب الاستعمارية، والحروب التي تفبرك من اجل اختبارات الاسلحة الجديدة، والحروب التي خطط لها منذ سنين طويلة وآن اوان اشعالها، فإن مناقشة اوضاع الطفل في العالم تكون اسهل على التأجيل. المهم ان الجمعية العمومية للامم المتحدة قررت في النهاية ان تكون بدايات مايو من العام المقبل هي فترة ملائمة للنظر في شئون الطفل، وطبعا كل الشئون الخطيرة التي يتعرض لها الطفل هي نتيجة لسياسات الدول التي تدير الحروب او تلك التي تسقط ضحيتها، سوف يتم مناقشة قضايا عمالة الاطفال، والاطفال الذين يباعون في اسواق الدعارة وتمارس ضدهم ابشع جرائم العصر الحديث، والاطفال الذين ينامون في العراء فقط لان الصواريخ الحديثة التي تفنن في اتقان توجيهها الانسان هدمت بيوتهم وقتلت اباءهم وشردتهم في البرد وللجوع والموت بمجانية. ستجتمع الدول في دورة الطفل الجديدة لتتطلع على قوائم ومعدلات جديدة من الاطفال الذين راحوا ضحايا حروب شيطانية، وستقدم كل الدول دموعها ووجهات نظرها في مستقبل الطفولة المشردة والتي نزعت منها البراءة نزعا، وسوف تتعالى الاصوات مطالبة بزيادة المخصصات لاعانتهم، وبعد ان يخرج كل مندوبي تلك الدول من تلك الاجتماعات سيتم تماما تناسي أمر الطفولة، مثل الطيار الذي تبهره آلته في الجو ولا يرى الاطفال الصغار وهم يحبون على الارض فتضغط سبابته على زر انفجار الصاروخ فيذهب الى جماجمهم الصغيرة. العالم يعيش عصر المنطقيات المقلوبة، ومثلما يصنع علب الحليب يصنع آلة تقتل شاربها. من يشغل باله بأمر الطفولة في هذا العالم اللاهث خلف اطماعه كالضباع المسعورة في ليل بهيم؟ halyan@albayan.co.ae