1 ـ روح الشعر: الشعر له روح ينفثها فيه الشاعر من جمال روحه ومن رقيق عواطفه، ذلك هو الشعر في نظري موسيقى منظمة مكتوبة كنوتة الموسيقى بنظام رقيق ينقرها منقار طائر جميل على مواجع القلوب، فان كنت ذلك الطائر الغريد الذي يلبس الجمال رداء في شعره وغناء موسيقيا جميلا منظما فاكتب الشعر كيف شئت فصيحا أو نبطيا كيفما أردت، ولا تكترث ان صنفوك حداثيا أم تقليديا. 2ـ المعيار جاء في الحديث الشريف عن رسول الأمة الكريم «الشعر كالكلام حسنه حسن وقبيحُهُ قبيح». اذن فالمعيار الذي نقيس عليه هو النص وليس الشاعر، ان النص الباقي المحفوظ هو فيصلنا والقول هو معيارنا فعندما نصل الى فهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفاً نفهم ان الشاعر انسان بشر مثله مثل كل انسان كما هو الشعر كلام مثل كل الكلام ومقياسه هو نفس المقياس الذي يقاس به الكلام هو الحُسن والقُبح الذي يتميز به النص، فلا يجب ان ينظر للشاعر على أنه ماجن لأنه شاعر ولأنه لو لم يكن شاعراً لكان عفيفا، بل الامر غير ذلك ان الانسان اذا كان ماجنا فلأنه في ذاته كذلك وما الشعر الا كلام ظهر فيه هذا المجون الكامن في نفسه بحسب مؤثرات بيئية واجتماعية عاشها بعيدا عن الشعر ولا فرق بعد ذلك اظهر ذلك المجون موزونا مقفى أو مسجوعا أو مرويا او مغنى ولا اظن ان هناك فرقا بين مجون مقفى موزون ومجون منثور مرسل، اذن فالامر امر نصوص وكلام، فقد ينسب نص جميل أملته الحكمة والعفة الى شاعر وقد ينقل المجون عن رجل غير شاعر يعيش حياته معربداً، اذن فالشعر ليس رديف الفسق والمجون بل الشعر ضحية الماجنين الذين استغلوا الشعر في المجون تماما كما يفعل شارب الخمر بالكأس يملأها خمرا يملأها سائغا أو من يملأ القربة ماء زلالاً ومن يملأها نبيذا معتقا. 3ـ الخلود أول سمات الشعر الخالد انه وثيق الصلة ليس بالغرض بل بمدى الابداع والاجادة في ذلك المزيج الساحر المميز عن غيره مما يقول الشعراء، اما الاغراض فطينة بكر، السر ليس في كونها طينة، فالطين في كل مكان يجعل منه الخزاف صانع الفخار جرة ماء ويشكل منه الفنان المثال تمثالاً تحار العقول فيه، وليس العجيب هو تميز ما يصنع الفنان عما يصنع الخزاف ولكن العجيب المميز هو ما يجعل من صنع الفنان المثال متميزاً على غيره من المثالين الفنانين، لا على غيره من الخزافين صانعي الفخار. 4ـ قيادة ان الشعر مقدمة تقول للمجتمع بغير مباشرة افعل ولا تفعل، هذا جميل وهذا قبيح، هذا سمو وهذا انحطاط، فالشعراء بذلك هم قادة غير متوجين للمجتمع اذا صلحت اقوالهم واشعارهم أثروا في صلاح من حولهم وان تسافلوا تسافل من حولهم، فهم أدوات بناء وهدم، وهذا أمر غير مبالغ فيه وزعم ليس موهوما بل زعم تدلل عليه صفات المجتمعات التي نعايشها، فالمجتمعات الراقية المهذبة هي المجتمعات التي يسودها أصحاب العقول والمواهب الراقية الهادفة الى الجمال والحق والخير، ومن اولئك الشعراء اصحاب العقول المتقدة والمواهب الفذة. اما المجتمعات التي يسيطر عليها الرعاع اصحاب الامزجة المنحرفة والمواهب الهادمة فهي بالنتيجة مجتمعات يسودها الانحراف بشتى أنواعه وان برزت وتقدمت في بعض نواحي الحياة المادية. والشعر نتيجة ايضا فهو أدب الناس وخلاصة تجاربهم، فالتجارب الراقية محمودة العقبى، وهل اجمل من ان يكون الشعر الجميل عاقبة حميدة لتجارب المجتمعات المحمودة ولفضائلها الراقية ولحرصها المستميت الدؤوب على اخلاقها ومبادئها، واظهر ما يكون ذلك عند العرب القدامى في حرصهم الظاهر في اشعارهم على طائفة من الاخلاق السامية التي لا تكمل بغيرها الرجولة ولا تستقيم للرجل مكانته بين أهل زمانه، ومن تلك الاخلاق أشهرها وهو الكرم وهو سمة العربي ـ عربي الجزيرة أعني. 5ـ غياب ان غياب نقاد الشعر النبطي يفسره أمر مهم هو عدم وجود حركة نقد أدبية وطنية واضحة وسليمة على ساحة الشعر عموما في الامارات. ان النقد علم وابداع: علم من حيث هو دراسات اكاديمية متخصصة يجب ان يمر بها من يجد لديه الموهبة الادبية والميل الادبي عموما وهي ابداع من حيث انه لابد للناقد أن يحوز شيئا من الابداع والانتاج الادبي الرقيق أو التذوق الابدي فكيف لساحة تفتقر الى مهتمين بالدراسات الادبية والآداب عموما بل تفتقر الى ابداع شعري نبطي عام ان تنتج نقادا. ان النقد على عمومه يحتاج الى معارف عديدة باللغة والاساليب الشعرية وذوق سليم يكفل تمييزا واعيا بين الغث والسمين، وحتى الآن ليس لدينا اولئك الاعلام من الباحثين الادباء الذين لهم صفة الناقد العربي للشعر العربي عموما فصيحه ونبطيه. اعني في دولة الامارات ولا اعني العالم العربي. 6ـ الحكمة قديما قالوا «لا يزال المرءُ في فُسحة من عقله حتى يقول الشعر». والمعنى ان الانسان لا يزال في مأمن من الحكم على عقله بالنقص او الزيادة، بالخفة أو الرجاحة حتى يقول شعرا ويعرضه على الناس، فاذا قاله فكأنما عرض به عقله يقومه النقاد فان كان شعره حسنا، فهذا دليل على حسن عقله وإلا فشعره الرديء دليل على فساد رأيه وقلة عقله وسخف منطقه، وشعر قيس بن الملوح الجميل الخالد دليل على حسن عقله وان شاع عنه الجنون، وأتى أفعال المجانين، فهام على وجهه مع الوحش في صحارى نجد، ومن جميل شعره قوله الشهير: نهاري نهار الناس حتى اذا بدا لي الليل. 7ـ تسلل أفي هذا العصر يبقى للشعراء بصورتهم القديمة مكان يزاحمون فيه أهل التجارة والمال الذي سيطر فكرهم ومبادئهم على لغة العصر اليومية؟ اقول نعم وان للشعراء مكانا واسعا في هذا العصر إن لم يُعْطَوه هم وجب أن يأخذوه أخذا ليس بالقوة ولكن بالتسلل الجميل الى نفوس البشر تسللاً يشبه تسلل النعاس الى العيون في ليل السهر. ولكن من هم اولئك الشعراء الذين يمكنهم ان يتسللوا ذلك التسلل الجميل الى النفوس فيسكنونها كما تسكن الأحلام الخواطر؟ بالتأكيد انهم ليسوا اولئك المنتسبين للشعر بكتابات اشبه بهذر الكهان وأصوات المشعوذين، اولئك الذين سلم لهم بأنهم شعراء جهل الناس وبعدهم عن اللغة الجميلة وانصرافهم عن الشعر بعد طغيان المادة.