عندما أقرأ او اسمع هنا وهناك عن صدام الحضارات او عن حوار الحضارات وعن الازمة الراهنة القائمة بين الاسلام والغرب، اول ما يتبادر الى ذهني هو ان هذه المصطلحات استهلكت قبل ان تتضح معانيها ونعرف ابعادها ونحلل مضامينها فجاءت هذه المجادلات والمساجلات كأنها تضيف الى التعتيم والى الغموض غموضا. ولعل الله سبحانه وتعالى حين اتاح لي العيش لمدة عقدين من الزمن في قلب الغرب، في عاصمة فرنسا باريس وفي خضم حركاتها الفكرية والسياسية، انما اعطاني بالرغم عني بعض مفاتيح قراءة هذا الغرب، بل ولعلي اصبحت دون ارادتي «مستغربا» مثلما يصبح الغربي «مستشرقا» فلم اكتف بالعيش في ذلك المنفى، بل درست فيه ودرسته وارسلت اولادي الى مدارسه وتقبلتني مجتمعاته وحاولت ان اخاطبه بما يفهم مستعملا منطقه لا منطقي ومتكلما لسانه لا لساني. ولعل الالتباس الحاصل اليوم في اذهان الزملاء العرب هو ان الغرب قبل وبعد الحادي عشر من سبتمبر هو كتلة متراصة الصفوف متجانسة البناء متشابكة النسيج تواجه كتلة اخرى موحدة لا ثغرة فيها وهي كتلة الاسلام. وهذا الالتباس هو الخطأ الاكبر وهو مؤسس لدى بعض المؤرخين او المثقفين ذوي الخلفية التاريخية على خطأ تاريخي كيف ذلك؟ الخائضون في هذا الجدل يحاجونك بالحروب الصليبية (1095 ـ 1271) كأنها حرب خاطفة اساسها الصدام العنيف بين الاسلام والمسيحية، وهي في الواقع غير ذلك فالحملات الصليبية (او الافرنجية كما يسميها التراث العربي) هي ثمانية حروب معقدة وطويلة لا بين اسلام موحد ومسيحية موحدة، بل بين مسلمين فيما بينهم وبين مسيحيين فيما بينهم، وبين المسيحيين واليهود، وكذلك بين شيعة وسنة وبين كاثوليك واورثوذكس، تتخللها كلها فترات طويلة تمتد احيانا الى اربعين عاما من السلام، مثلما يروي لنا ذلك بعبقرية امير شيزر اسامة بن منقذ. ويمكن ان نقول بعد ان قرأنا تلك الحملات بانها كانت كذلك حوارا ثريا بين الحضارتين الاكبر: الاسلامية والمسيحية، في علوم الفلك والرياضيات والكيمياء والطب والفلسفة والهندسة والزراعة، حوار اغتنمه المسملون والفرنجة في آن معا. وهذه الخلفية التاريخية بتشعبها وتعقدها تشبه الى حد بعيد ـ وبالطبع بوسائل اخرى ـ هذا الوضع الراهن الذي نحياه فالذي بيننا وبين ما نسميه الغرب ليس صراعا مفتوحا، وانما علاقات تحكمها قوتهم وضعفنا وحرياتهم و «ضوابطنا» واجتهاداتهم وجمودنا فنحن اصطدمنا بالغرب وقيمه وهيمنته في المغامرة الاستعمارية منذ نزل جيش نابليون بونابرت مصر سنة 1798 الى حين خروج آخر جندي استعماري من اراضي المسلمين، اي على مدى قرنين كذلك، تماما كالحملات الصليبية، وعشنا ملاحم تحرير مصر والشام والجزائر وسائر بلاد الاسلام والعروبة، ثم دخلنا مع الغرب مرحلة جديدة بنفس عقلياتنا وسلوكياتنا. واحتار دليلنا: كيف ننجو بعاداتنا وتقاليدنا، وربما بديننا ونحن تحت وطأة عصر الاتصالات والفضائيات الذي لا يرحمنا؟ ولم نهتد الى طريق اليابان، اي في نفس الوقت الحفاظ على الهوية والمشاركة في عبقرية العصر بالابداع والابتكار، في حين ان نهضتنا العربية في عهد محمد علي ونهضة اليابان في عهد الميجي 1860 بدأتا في نفس الوقت وبنفس الموعد مع اوروبا الناهضة في عز ثورتها البخارية والصناعية، ولكن النهضتين لم تتبعا نفس المسالك فتقدمت اليابان وتخلفنا. واليوم وعلى ضجيج تفجيرات 11 سبتمبر واصداء حرب افغانستان واطلال ما تبقى من حكم السلطة الفلسطينية وما يصلنا من اليمن ومن الصومال وجزر القمر، لا نزال نعتقد ان حرب حضارات يمكن ان تقع كالحروب الصليبية، بدون ان نتحاور كعرب ثم كمسلمين وان نتشاور حول امكانية اجتناب الدمار بالحوار، فالانتصار الاكبر الذي يمكن ان نحققه نحن هو الانتصار على انفسنا وعلى ضعفنا فنحن على اعتاب حرب مدمرة بين الحضارات اذا استمر سوء التفاهم وحوار الطرشان بيننا وبين العالم .. نعم العالم وليس الغرب وحده، لاننا رأينا بعد احداث 11 سبتمبر الارهابية ان روسيا والصين ـ اي العدوتين التقليديتين للغرب ـ ساندتا حرب الرئيس بوش ضد ما يسميه الارهاب. وسوء التفاهم العميق هذا يظهر جليا في لغة اسامة بن لادن المستندة الى فجر الاسلام في نقاوته الاولى، بدون فهم آليات هذا العصر الراهن وفي لغة الرئيس بوش المستندة الى آليات هذا العصر، بدون فهم آليات الظلم المسلط على فلسطين. اي ان ابن لادن وبوش يشتركان في شيء واحد رغم اختلافهما الجذري فهما يشتركان في تقسيم العالم الى فسطاطين: فسطاط الغرب القوي الحر وفسطاط الارهاب الضعيف البربري لدى بوش، وفسطاط الايمان وفسطاط الكفر لدى ابن لادن، انه حوار الصم بين مفهومين منحرفين للعالم، واختزالين ساذجين لحقائق اكثر تعقيدا. من هنا يأتي الخطر: حين يصطدم الخطأ بالخطأ ويجادل التطرف التطرف لكن تطرف بوش وعدم وعيه بالارهاب الذي يتعرض اليه شعب فلسطين هو تطرف يعتمد قوة عسكرية واستراتيجية ساحقة، بينما تطرف ابن لادن يظل اسير ضمائر الناس البسطاء لايتعداها وهو رد فعل وليس فعلا. في خضم هذه المتاهات لا ادري ما الذي قاله المفكرون والمثقفون الذين جمعتهم جامعة الدول العربية في القاهرة للدفاع عن صورة الاسلام والمسلمين والعروبة والعرب. لم يصدر كتاب ـ نحسب انه ضروري ـ حتى نعرف هل اجتمع اولئك الزملاء الكرام لاشعال شمعة تنير الطرقات المدلهمة ام اكتفوا بلعن الظلام؟! ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر