شغف الناس بتغيير اشكالهم، وتمردهم على الطبيعة التي خلقهم الله عليها، لا يوازيه سوى شغفهم بالاطلاع على الغيب، ولذلك ينفق الناس الملايين على عمليات التجميل، وتبييض البشرة، وتقويم الاسنان.. الخ، كما ينفقونها تماماً على خدمات التنجيم ومعرفة الغيب، وهذا تحديداً ما ذكرته الاخبار عن سكان (بانكوك) الذين دفعوا في عام واحد ما يوازي (22 مليون) دولار لقاء زيارات للمنجمين وراجمي الغيب! ولو علم الناس الغيب لاختاروا الواقع، ومع ذلك فما من انسان يقنع بواقعه، كما ان كثيرين وكثيرات لا يرضون بأشكالهم، فيلجأون إلى كافة الأساليب للحصول على اشكال يحلمون بها في خيالهم، دون ان يسألوا أنفسهم أذلك أفضل أم البقاء على ما هم عليه! في روايتها الشهيرة (العيون الأكثر زرقة) تطرح توني موريسون الروائية الامريكية السوداء صاحبة جائزة نوبل، اسطورة السعي لتغيير الشكل عن طريق الدعاء لله لتحقيق المستحيل والذي لا يحدث ابداً، لكنه يقود صاحبه للجنون فعلاً كما حدث مع الطفلة السوداء (بيكولا) التي ظلت تحلم بعيون اكثر زرقة وجمالاً من اية عيون اخرى في المدينة، إلى أن انتهى بها الحلم والتمني إلى الجنون فعلاً! بيكولا كانت تحلم بعيون اشد زرقة لانها اعتقدت بأنها الطريقة الوحيدة للخلاص من البؤس والعجز والانعتاق من قبضة الفقر والحرمان وكابوس الاغتصاب والقهر المفروض على واقع السود في المجتمع الامريكي، وبهذه الواقعية السحرية في رواية (توني موريسون) نقارب حقائق كثيرة تتحرك حولنا، ونسمعها بصوت واضح ونبصرها جيداً، ألا نسمع حقا اولئك الفقراء الذين يتمنون مصباح علاء الدين، ومغارة علي بابا، وليلة القدر، وحظاً قدرياً يقود الى الوزن الذهبي وربح المليون! فهل يختلف ذلك عن الحلم بعيون أكثر زرقة؟ شغف الناس بتغيير اشكالهم يأتي أحياناً تعبيراً عن البطر والفراغ، واحياناً عن الامتلاك الزائد، واحياناً عن عدم القناعة والرضا، واحياناً عن السعي للأفضل والاجمل، وقد يأتي أيضاً رغبة في التغيير وهذه أتفه الرغبات وأكثرها تعبيراً عن الخواء الداخلي! لا أتحدث في اتجاه مضاد للسعي وراء الجمال أو التجمل، فهذا حق نمارسه جميعاً، ولكنني اتحدث عن استعارة مقاييس عجيبة للجمال وتقمصها إلى درجة الفصام الجمالي الخارجي، وإلا ما معنى ان ترى سيدة سمراء بشعر أشقر وعيون ملونة، وخلطة كريمات تبييض مضحكة؟ أين الجمال فيما تفعله هذه السيدة بنفسها؟ هل نعتبر ذلك من قبيل الحرية الشخصية؟ لا بأس، لكن ذلك لا يمنعنا من ان نقول رأيا فيما يمر بنا في مجال الرؤية البصرية على الأقل، وقد يؤذينا وقد يدفعنا لارتكاب اثم السخرية، والضحك والغيبة احيانا!! تكثر تجارة العدسات اللاصقة الملونة هذه الايام، وكريمات تبييض البشرة، وتشقير الشعر، وتغيير طبيعته تماماً، فهل هي رغبة في الجمال أم احتجاج على اوضاع معينة، أم تعبير عن اتجاه ما في ذهنيات الناس تجاه بعضهم بعضاً؟ أم انه افراز لثقافة الاستهلاك السائدة نتيجة الوفرة المادية؟ وهل اصبحت مقاييس الجمال استهلاكاً مادياً كاستهلاك الشيكولاته والزبدة واللحوم المجمدة؟ وهل يقيّم الناس بعضهم بعضاً ويحبون اشكال بعضهم بعضاً نتيجة هذا التغيير المصطنع للشكل؟ هل هذا يعني أننا نشجع بعضنا باتجاه الزيف اكثر وأكثر، فلا نكتفي بزيف الداخل فقط بل نعززه بزيف الخارج ايضاً؟ بيكولا بطلة رواية (العيون الاكثر زرقة) انتهت إلى الجنون لتحمي نفسها، فإلى أي شيء ينتهي الناس الساعون نحو الزيف يا ترى؟ aishasultan@hotmail.com