سوف يبقى احتمال الاحتكاك الدموي بين القوات الامنية للسلطة الفلسطينية وكوادر منظمات المقاومة المسلحة قائما على الدوام طالما ظل موقف الرئيس عرفات غير محسوم وغير مفهوم تماما بشأن مسألتين مصيريتين: اولا: كيف يرى عرفات نفسه كقائد فلسطيني؟ هل هو زعيم حركة تحررية ثورية تواجه قوة استعمارية استيطانية وهاجسها الاوحد هو النضال الشعبي ام هو رئيس سلطوي بروتوكولي تنحصر مهمته في حفظ الامن واشاعة الاستقرار ومقابلة الوفود الاجنبية وحضور مناسبات احتفالية ليقص الشريط الاحمر؟ بكلمات اخرى: هل الصفة القيادية الرئيسية والاصلية لعرفات هي انه زعيم منظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها النضالية الشعبية ام رئيس السلطة الفلسطينية بشرطتها واجهزتها الامنية ومعتقلاتها؟ ثانيا: كيف يرى عرفات منظمات المقاومة المسلحة: هل هي بنهجها المسلح وعملياتها الاستشهادية ضد القوة الاحتلالية منظمات للنضال المشروع ام هي، كما تصنفها اسرائيل والولايات المتحدة، ومعهما اخيرا دول الاتحاد الاوروبي كيانات ارهابية ينبغي القضاء عليها قضاء مبرما؟ ورغم ان الرئيس عرفات لم يصدر عنه بعد بيان شاف وقاطع يحدد فيه بصورة لا لبس فيها موقفا محددا ونهائيا من هاتين المسألتين الا ان هناك ثمة اشارات ابرزها وأشدها وضوحا نسبيا ما اعلنه مؤخرا في خطاب رسمي الى الشعب الفلسطيني من ان «التفاوض» هو الاسلوب الاوحد للنضال الفلسطيني مما يسقط من الحساب ضمنا اسلوب الكفاح المسلح. وكانت النتيجة على الارض وقوع صدام دموي مسلح بين قوات الامن الفلسطينية وبعض كوادر المقاومة اسفر عن مقتل ستة اشخاص وخلف مناخا توتريا رهيبا. ولم يكن هذا الصدام ليقع الا لان القوات الامنية شرعت في عمليات اعتقال لعناصر من منظمات المقاومة. حقنا للدماء الفلسطينية ومنعا لحدوث اقتتال مستقبلي قررت حركة «حماس» تعليق العمليات الاستشهادية داخل العمق الاسرائيلي مؤقتا ولاجل غير محدد، وهذا بدوره يؤدي لطرح سؤال: هل قصد الرئيس عرفات من دعوته العلنية الى وقف العمليات العسكرية ضد اسرائيل ان يكون هذا الاجراء مؤقتا من قبيل «تكتيك» الكر والفر ام ان الاجراء ينطلق من قرار استراتيجي نهائي بوقف النضال المسلح ضد اسرائيل الى الابد؟ واذا كان هدف عرفات في هذه الناحية غامضا نوعا ما فان الهدف الاسرائيلي الامريكي بصوت واحد يقول المسئولون في كل من حكومة شارون وادارة بوش دون لف او دوران ان منظمات المقاومة المسلحة ـ حماس والجهاد وفتح والشعبية والديمقراطية ـ منظمات ارهابية صرفة، بالتالي فانهم يقولون ويكررون بلا لف او دوران ان اي اجراء يتخذه عرفات بشأن هذه المنظمات دون تدميرها نهائيا وتصفية قياداتها وكوادرها لايفي بالغرض. القضية واضحة كالشمس: ما يطالب به شارون وبوش عمليا هو ان يكون عرفات مدير شرطة فلسطينيا يضع حدا نهائيا للمقاومة الفلسطينية المسلحة نيابة عن اسرائيل والولايات المتحدة، وان شئت قل انهم يريدون منه ان يكون رئيسا سلطويا محليا لجهاز سلطة قمعي لا زعيما لمنظمة التحرير الفلسطينية فالمعنى واحد. والى المدى الذي يتجاوب فيه عرفات مع هذا المطلب الاسرائيلي الامريكي الخطير بصورة علنية او خفية يبقى احتمال الصدامات الدموية بين قوات السلطة وفصائل المقاومة واردا على الدوام.