يقول الكاتبان الالمانيان الشهيران هانس بيترمارتن وهارالد شومان في كتابهما الشهير «فخ العولمة» : بأن القرن الواحد والعشرين سيكون من نصيب 20% فقط من سكان المعمورة الذين يمكنهم العمل والحصول على الدخل والعيش في رغد وسلام، اما النسبة الباقية اي 80% فستمثل السكان الفائضين عن الحاجة، الذين لن يمكنهم العيش الا من خلال الاحسان والتبرعات واعمال الخير. كما يشير المؤلفان الى: ان 358 مليارديرا في العالم سيمتلكون ثروة تضاهي ما يملكه 2.5 مليار من سكان المعمورة، اي مايزيد قليلا على نصف سكان العالم، وان هاك 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج العالمي الاجمالي، وعلى 84% من التجارة العالمية، ويمتلك سكانها 85% من مجموع المدخرات العالمية .. . وبذلك يضيف الكاتبان الالمانيان: بأن العالم قد تحول عمليا الى رهينة في قبضة حفنة من كبار المضاربين الذين يتاجرون بالعملات والاوراق المالية. اذن في عالم كهذا تسوده عولمة متوحشة لا تعرف الا القوي، ولا تعترف ولا تعترف ولا تقر لاحد من الشعوب او الامم بحقه في العيش خارج «حضارة التنميط» التي تلغي كل ما يتعلق بالاقتصادات الوطنية والثقافات المحلية ناهيك عن حق الدول بالسيادة، يصبح من الصعب الحديث عن «الحوار مع الآخر» ناهيك عن الاعتراف لهذا الآخر بحضارة او ثقافة خاصة به. من جهة اخرى واذا كان مجتمع العولمة الرأسمالية الليبرالية المتوحش لم يتحمل ان يرى مسلمي البوسنة والهرسك يعيشون تحت ظلال جغرافية الغرب فقام بتدمير اكثر من 800 مسجد وقتل اكثر من مئتي الف منهم فقط لانه لا ينتمي الى دينه وحضارته. واذا كان زعيم هذا الغرب المسيحي المتهود قد قرر ان يكتب في قصص اطفاله ما يعلم الناشئة الامريكية فضلا عن ناشئة العالم بأن «الطوارق» المسلمين العرب هم الذين توجهوا الى مكسيكو للاجهاز على الهنود الحمر بهدف تحقيق الفتح الاسلامي الوحشي الدموي! باسم الله ومن اجل جباية الخراج وتحصيل العبيد وان «الشريف» اي السيد الابيض كان هو المنقذ للهنود الحمر من المسلم المتوحش كما يرد في قصص حكايات الاطفال الامريكية المعروفة المنشورة في اطار سلسلة Texte Weiller وان العالم يعيش مرحلة «نهاية التاريخ» وان الدين الاسلامي ليس سوى «دين شرير!» وان العالم لاشك مقبل على «صدام الحضارات» كما نظر صموئيل هينتنجتون وكل ذلك قبل 11 سبتمبر 2001م، فما بالك كيف ستكون نظرة هذه «الحفنة» المتحكمة بمقدرات الامم والشعوب بعد حوادث 11 سبتمبر المروعة والمرعبة؟ كما يصفها الكاتبان الالمانيان. لقد سمعناهم كيف يتحدثون عن ان الحرب ضد الارهاب لن تكون سوى شكل من اشكال «الحرب الصليبية» او ان السبب وراء حوادث 11 سبتمبر ليس سوى كراهية القائمين على تلك الحوادث لكل ماهو ديمقراطي ولكل ماهو مدني وحضاري .. الخ. كما سمعناهم وهم يقارنون حضارتهم الراقية والسامية بحضارة المسلمين الادنى والسفلى كما جاء على لسان برلسكوني . كل هذا وهم يجتاحون حتى اقرب الناس لهم اجتياحا هوليووديا استفز حتى حلفاءهم المقربين من ابناء الحضارة الغربية ذاتها: من يحاور من اذن؟ واول شروط الحوار هو امتلاك فضيلة الاستماع للآخر؟ تلك الفضيلة التي لن تتحملها تلك الحفنة المتحكمة بمصائر الامم والشعوب باسم مقولة العولمة المتوحشة التي لا ترحم حتى ابناء الحضارة الغربية الغالبة من الطبقات الاجتماعية المتوسطة والفقيرة. ان من يقسم العام كله الى فسطاطين لا ثالث لهما وينادي العالم بالقول: اما معي او ضدي كيف نتوقع منه ان يحمل راية الحوار مع الآخر؟ ان من لا يتحمل ان يرى اسرى في حربه كما جاء على لسان وزير دفاع اكبر دولة غربية، كيف نريد منه ان نتوقع منه محاورة الآخرين؟ من يقول انه سيظل اصدق الاصدقاء واخلصهم واكثرهم حماسا لدولة غاصبة لحقوق شعب بأكمله ولا يرضي بأقل من خنق اصوات المعارضين والمقاومين للاحتلال والعدوان الهمجي الصهيوني بحجة السلام الموهوم بين الضحية والجلاد، لن يكون قادرا على قبول اي شكل من اشكال تكافؤ الفرص بين الشعوب والامم المختلفة صغيرها وكبيرها، دون تمييز ودون ان يكيل بمكيالين معها. ان من يقاتل الطبيعة ويمارس القتل البيئي بكل دم بارد، بسبب جشعه وطمعه اللامحدود بالثروة والجاه والسلطان، لا يصلح لممارسة اي شكل من اشكال الحوار مع الآخر. ومن لايحاور الآخر فانه ينتمي عمليا لمجتمع الغلبة والعنف والسيطرة والاستيلاء على الآخر بأي ثمن كان، مجتمع شراء الذمم واسكات كل صوت للمعارضة. ان من يقرأ أو يسمع او يتتبع سياسة زعيمة المعسكر الحر اليوم وهي تجتاح العالم بثقافة الكاوبوي وتنادي اريده حيا او ميتا؟ يكاد يقول باستحالة امكانية قيام حوار بين الحضارات. نعم نحن من جانبنا نبذل كل اشكال الارهاب وممارساته سواء التي يقوم بها ابناء جلدتنا او التي يقوم بها الآخرون، وندعو للحوار مع الآخر بكل جدية حتى لو كان هذا الآخر خصمنا ونتمنى ان يعلمنا الحوار الكثير غير اننا نعتقد في الوقت نفسه كل الاعتقاد ايضا بأن مثل هذا الحوار لا يمكن له ان يجري بنجاح ويؤتي اكله بما ينفع البشرية الا بشرط العدالة. العدالة في الموقف والعدالة في المنهج والعدالة في العلاقات بين الانا والآخر، ونعتقد ان ماعدا ذلك لن يكون حوارا حقيقيا، نعم قد يكون شكلا من اشكال الخداع المبطن بالحوار او ما يمكن ان نسميه بالحوار الالحاقي. ان مثل هذا الحوار لن يؤدي بنظرنا سوى الى مزيد من تفاقم الازمات وزيادة التوترات في العالم واشعال المزيد من الضغائن والاحقاد والحروب. وقد آن الاوان ان نتعلم من التجربة الافغانية وألا نكررها في اي بلد من بلداننا وبشكل اخص في فلسطين، فلسطين العطشى اكثر من اي قطعة جغرافية في العالم، لحوار حقيقي بين العرب والمسلمين من جهة والامريكيين من جهة ثانية، لا من اجل المصالحة بين الجلاد والضحية بل من اجل «تحرير» الوطن المغتصب من يد الحفنة الباغية. ـ كاتب سياسي ايراني