كم احسنت صنعاً شركة مترو نورث الامريكية لقطارات الضواحي في ولاية نيويورك حين قررت مؤخراً اصدار كتّيب مازال تحت الطبع وينتظره القوم بشوق بل لهفة لاشك فيها كي يحمل عنواناً يقول: «دليل اخلاقيات وقواعد التخاطب في الهاتف (التليفون) المحمول». ولقد حسبنا انفسنا في زمرة المشوقين شغفاً والمتقدمين لهفة الى الدليل المرتقب.. بعد ان بلغ السيل لدينا الزبى وبعد ان كادت حبال الصبر الجميل في جعبتنا تنفد ازاء ما عانيناه طيلة اشهر اقامتنا التي طالت هذا العام في نيويورك من مواطنيها الذين تخيلنا ان لا شغلة لهم ولا مشغلة ـ كما يقول المصريون ـ سوى الكلام في هذه البضعة الالكترونية الصغيرة بل المتناهية الدقة من حيث صغر الحجم ودقة الجرم التي تحمل اسم الهاتف الخليوي «سليولار» أو التي استسهل اهل مصر ان يطلقوا عليها اسم المحمول وانطلق مستثمروها الشُطار فكان ان ملأوا شاشات التلفاز اعلانات واغاني واهازيج نشهد بأنها ظريفة وخفيفة الظل ونتصور انها سوف تحقق في يوم قريب الشعار الذي طرحه الملياردير المصري الامثل فلان الفلاني وهو «المحمول في يد الجميع». وينبغي ان نعترف باديء ذي بدء أننا قاومنا هذا الكائن الالكتروني الذي وفد على حياتنا، بل تسلل الى صميم معيشتنا .. والى مخابئ حقائبنا وزوايا جيوبنا.. ثم بالغ ـ قاتله الله ـ. في تدليلنا حين ظل يعرض علينا قائمته الشهيرة ـ المينو اياها ـ حافلة بصنوف الانغام والالحان لكي تختار من الوانها الشهية. شرقية كانت أو غربية لحناً أو مقاماً نغمياً يكون عنوانا لمقامنا الرفيع.. ومنا من استبدت به الصبابة فاختار لحناً شبابياً مغرقاً في عاطفية الحب المشبوب.. ومنا من آثر السلامة ونحن منهم طبعاً فاختار لحناً لخالد الذكرى اماديوس موتسارت.. هو في الحقيقة لحن شهير كاد يذيع على اسماع العوام.. ولكنه يصلح طبعاً لكي يصنف امثالنا في خانة الجهابذة من «عتاة» المثقفين! نحن إذن في بلادنا المحروسة من حاملي.. المحمول وان لم نبلغ في التعامل معه ما بلغه الاخرون في درجة التعاطي الى حد الادمان. فما الذي جعلنا نضيق بالمحمول ذرعاً ونود لو نسيت البشرية أمره اصلا رغم اننا نذكر بكل خير رجلين مازالت اياديهما البيضاء ماثلة في حياة البشرية اولهما المستر «صامويل فنلي بريز مورس» (هذا اسمه كاملا في شهادة الميلاد) وهو كما لا يخفى عليك مخترع التلغراف الذي جعل اهل العالم يشعرون ببعضهم البعض بصورة اشد قربا وربما أكثر دفئا (توفي المستر مورس عام 1872) اما الرجل الثاني فهو بالطبع المستر «الكسندر جراهام بل» الذي عاش الى قرب الربع من القرن العشرين (توفي عام 1922) ونحن نكتب هذه السطور محدقين في صورة عتيقة له (المستر بل) يرجع تاريخها الى عام 1877 وتصوره وسط قاعة فسيحة خاصة بعشرات الناس في مدينة ساليم بولاية ماساشوسيتس وقد وقف بازاء طاولة مرتفعة عليها صناديق وألواح واسلاك فيما يقول كلام الصورة ان هذا هو الكسندر بل يعرض على الناس اختراعه الجديد وقد اطلق عليه اسم الناقل البعيد (تيلي من اليونانية) للصوت (فونو اليونانية ايضا) ـ التليفون (ولسنا ندري ـ بالمناسبة ـ اي ثأر بايت تولد عند اهلنا الطيبين في مصر بعد ان دخل التلغراف البرقي في حياتهم عهد الوالي سعيد أو الخديوي اسماعيل ـ خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر ومن بعده التليفون في اوائل القرن العشرين ـ فكان ان استخدموا الفاظ العنف في التعامل مع الاختراعين العزيزين الا ترى ان اهل الريف مازالوا يقولون: تعالى «نشد» تلغراف للسيد المحافظ فيما لايزال اهل الحضر يقولون: «ارجوك لا تنس ان «تضرب» لي تليفون. لكن ها نحن ندلل المحمول فنختار له اصواتا موسيقية بدل الجرس المزعج، رناناً كان او جاء صوته خشناً كالازيز ومع ذلك فلم نستطع ولا استطاع الامريكان ان يبلوروا، ومن ثم يجيدوا فن التعامل بانسانية ورفاقية ورقة شعور مع هذا المحمول،.. وربما لم نشعر نحن بالمشكلة اذ هيأ الله لنا سيارات خاصة نمتطيها في بلادنا وحين تأتينا رسائل الهاتف الخليوية نصبح نحن والمحمول على انفراد داخل صندوق السيارة و.. كان الله بما نقول عليما. المشكلة حين اقمنا في نيويورك.. بدون سيارة للاسف الشديد. ولن نحتج بضيق ذات الاحوال فالحق نقول ان السكن في عاصمتها الصغيرة ـ مانهاتن ـ يحول دون اقتناء او حتى استئجار دع عنك استعارة سيارة لن نستطيع بحال ان نودعها في امانة احد الكراجات والا حولنا دخلنا، الذي لن نبلغك بأرقامه من البنك الى المستر مدير عموم الكراج المذكور ثم ان نيويورك تتميز بمواصلاتها الميسورة الحافلات المكيفة تشق شعاب المدينة ومسالكها واذا تحاشيت ساعات الذروة يصبح الجلوس مضموناً والتوصيل ميسوراً فيما تستمتع ـ فوق البيعة ـ بمراقبة شئون الحياة والاستماع الى اللغات واللهجات وهي شديدة التنوع مختلفة الايقاعات تصدر عن رفاقك الكرام من ركاب الباصات وكل هذا لقاء دولار ونصف دولار فقط لا غير. فإن جاءتك دعوة غداء او افطار رمضاني وقد كانت كثيرة هذا العام فقد رقت لأحوالنا قلوب الجمهرة من المحسنين وخاصة بعد أحداث سبتمبر وما اعقبها من توترات فدونك يومئذ قطار الضواحي المكيف بدوره.. مواعيده غاية في الانضباط ومساره يخترق غابات ويعبر جداول وقنوات وهو يبتعد بك عن جلبة المدينة وضوضائها صحيح ان القطار يكلف نحو العشرة دولارات واحياناً أكثر.. دع عنك غرامة الهدية المحترمة التي لابد وان تكون في جعبتك لكن كل شيء يهون ازاء اللمة التي تجمعك بالناس الكرام في ليالي رمضان لكن تظل المشكلة من قبل ومن بعد هي ان هذه المواصلات العمومية اصبحت ساحة لمكالمات الهاتف المحمول لا تكاد تمر لحظة الا ويرن جرس او تذاع نغمة او ينطلق من حقيبة جارك او جارتك في مقعد الباص او القطار، أزيز غريب، والويل لو كان الجار او الجارة من اهل جنوب شرقي آسيا ـ الصين على وجه التدقيق هنالك تصك اذنيك اوتار الصوت العالي (لأمر ما يتكلم الصينيون بنبرة مرتفعة تصل احياناً الى جواب الجواب عند أهل الموسيقى الشرقية) هذا، ناهيك عن ان هذه اللغات الآسيوية ـ الصينية بالذات حافلة بالأصوات الحنجرية وبحروف تختلط فيها الخاء بالعين بالهمزة مع مزيج من الشهيق والزفير والصفير والنعير بشكل يرفع الضغط ويثير الاعصاب ربما تكون سلوتك الوحيدة انك لا تفهم ما يقولون (نتصور انك لا تجيد الصينية) ومن ثم تكون مشكلتك الاكبر حين يدق المحمول ويشرع في الكلام بالانجليزية شاب يافع او حسناء أمريكية لا تكاد تميز بين أوتوبيس عمومي وبين غرفة معيشتها الخصوصية هنالك يتناهى الى سمعك كل شيء وبكل التفاصيل الخلافات العاطفية والمشاحنات الزواجية والعمليات الجراحية والمشكلات المالية ولا يخلو الامر احياناً من غزليات يتم بثها مشفوعة بلواعج الشوق او يجري استقبالها على مسمع من الاشهاد راكبي القطار او الحافلة.. ويتم هذا كله طبعاً في ظل الشعار الامريكي العتيد نحن في بلد حر متناسين طبعاً الشعار المكمل المعروف: «ان حدود حريتك تنتهي عندما تبدأ حدود حرية الآخرين». يحدث هذا ايضاً في المناسبات الاجتماعية وهو ما يشكو منه الامريكيون وقد اذاعوه وكتبوا عنه يجتمع الناس في دعوة غداء او عشاء فإذا بالمحمول يقطع عليهم حبال الاحاديث تصحب الأم أطفالها أو تعهد الى مربية مدفوعة الاجر بمصاحبتهم الى الحديقة العامة وبدلاً من ملاعبة الاطفال المساكين يدق المحمول فإذا بالأم او المربية تشتبك في نميمة خليوية طويلة تصرفها عن الاهتمام بالصغار. قال صاحبي: كل هذا يهون يا مولانا ازاء أفاعيل المحمول في القطار السريع المباشر بين القاهرة والاسكندرية تدق الاجراس او تصدح النغمات.. فلا يقتصر الامر على خصوصيات البيوت وقد تحوي طرافة او مسلاة بل تزيد الأمر ربما من واقع تراثنا القديم في أشعار الفخر بالنفس والقبيلة فإذا بك تسمع رجل أعمال من مصر يشكو مثلاً من ان العشاء الذي استورده من مطعم مكسيم في باريس لم يكن على المستوى او ان المدام لم تعجب بالمعطف الفرو (اسمه المينك حتى لا ننسى) الوارد من لوندره.. فقد جاء زهيد السعر لدرجة أخجلتها بين صاحبات النادي نصف مليون فقط... الخ. تسمع هذا وتعيد احصاء الجنيهات التي بقيت في جيبك وتتأمل المذكور أعلاه هؤلاء أثرياء الفرصة محدثو النعمة.. حديثهم في محاميلهم حول الملايين وربما كان اهلوهم يقيمون الأعراس يوم كانوا «يشدون» تلغرافاً او «يضربون» تليفوناً.. فأنت تلعن دوران الظروف ولك ان تشكر في الوقت نفسه مبادرة شركة مترو نورث النيويوركية وهي تحاول ـ من خلال دليلها المطبوع ـ المنتظر ان ترسي تقليداً جديداً وحميداً اسمه: فن استخدام المحمول.