تلوح امام الدول العربية فرصة لتلعب دورا حاسما للحيلولة دون وقوع هجوم عسكري امريكي شامل على العراق، فعلى خلفية انشقاق داخل الادارة الامريكية بين متحمسين لضربة قوية ضد بغداد ومعارضين لها، اعلن حلفاء واشنطن الاقربون الذين ساندوا حملتها في افغانستان انهم يرفضون المشاركة في اي تمديد للحملة ليشمل العراق باسم «مكافحة الارهاب» ومن الواضح انه اذا ضمت الدول العربية صوتها الى صوت هؤلاء الحلفاء الاقربين، فان الخذلان داخل الادارة الامريكية سوف يكون حتما من نصيب الفريق الامريكي صاحب الاجندة المتشددة. هذا الفريق المتشدد يتزعمه وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ويضم بين اعضائه مستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس، اما الفريق المتعقل فيقوده وزير الخارجية كولن باول، والغريب حقا ان الفريقين متفقان على انه لايوجد اي دليل، مباشر او غير مباشر، يمكن ان يربط اسم العراق مع احداث 11 سبتمبر الرهيبة، ولان الفريق المتشدد فشل في ايجاد مثل هذه الرابطة فانه عمد الى «الابتكار» وما توصل اليه اخيرا هو القبض على «قشة» اسمها اسلحة الدمار الشامل. وتقضي الحيلة المرسومة باستفزاز السلطات العراقية بأن يطلب منها السماح بعودة فرق التفتيش الدولية التي طردت من العراق عام 1998 والرفض الحتمي المتوقع من بغداد سوف يكون ذريعة جاهزة لشن الهجوم الامريكي على الاراضي العراقية. ولكن ما علاقة التفتيش الدولي واسلحة الدمار بأحداث 11 سبتمبر التي وافق اصدقاء امريكا الاقربون على الدخول معها في تحالف دولي لمكافحة الارهاب؟ هذا التساؤل ليس من عندي وانما طرح من قبل فرنسا وبريطانيا وكندا، والتساؤل يمثل تحديا منطقيا ليس لدى واشنطن رد عليه. وزير خارجية فرنسا هوبير فيدرين قال انه لايمكن تبرير تحرك عسكري ضد العراق في اطار الحرب الامريكية ضد الارهاب، واضاف فيدرين: لا تعتقد اي دولة اوروبية ان القيام بتحرك ضد العراق يندرج في منطق الحملة ضد الارهاب. وزير الخارجية البريطانية جاك سترو يقول صراحة انه «لا توجد اي علاقة بين العراق واعتداءات 11 سبتمبر الارهابية». واصداء باريس ولندن تجاوبت معها اوتاوا حيث استبعدت كندا المشاركة في اي هجوم تقوده الولايات المتحدة ضد العراق «مالم يكن هناك دليل مباشر على وجود صلة بين بغداد واسامة ابن لادن». ومع تواصل المجادلات الخلافية داخل ادارة الرئيس بوش حول العراق، فان هذه الاعلانات الصريحة التي تصدر تباعا من كبريات العواصم الغربية تدعم دون شك الموقف العقلاني الذي يتخذه الجنرال باول وفريقه. واغلب الظن ان هذه الحقيقة هي التي دفعت بوزير الخارجية الى ان يخرج الى العلن فيتحدث صراحة عن معارضته توجيه ضربة الى العراق وتبرير هذه المعارضة. لقد قال باول لصحيفة «واشنطن بوست» انه ليس من الممكن تطبيق النموذج الافغاني على العراق، ورغم انه حذر من ان العراق «يبقى دوما في جدول اعمالنا» الا انه قال ان تحقيق نتائج في العراق مماثلة للنجاح العسكري الذي تحقق في افغانستان غير مضمون. ومع ذلك نقول ان مواقف حلفاء امريكا الاقربين مضافا اليها موقف روسيا التي تقف بصلابة الى جانب العراق اذ تؤدي الى تخذيل «الصقور» في الادارة الامريكية، فانه الى ان يعلن الرئيس بوش رسميا ونهائيا ان واشنطن صرفت النظر عن اي خطط لضرب العراق، يبقى احتمال انحياز الرئيس الى فريق المتشددين عند نهاية المطاف قائما. هنا تلوح تلك الفرصة السانحة التي تجعل مجموعة الدول العربية في موقف فريد لحسم الامر لصالح العراق، بأن تتخذ موقفا جماعيا حازما يدعم موقف حلفاء امريكا الغربيين، بما يؤدي بالتالي الى تدعيم موقف فريق كولن باول.