مع ان الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت الحرب على ما أسمته بالجماعات الارهابية التي تهدد مصالحها ووجدت في مسعاها مساندة دولية، الا انها رفضت التعاون مع الدول التي عانت من الارهاب كمصر والجزائر قبل الحادي عشر من سبتمبر. فهذان البلدان طالبا الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية اكثر من مرة بتسليمهما العناصر الارهابية التي تقيم في الاراضي الامريكية والاوروبية. فهذه الجماعات الارهابية كانت تتلقى الرعاية الكاملة من العالم الغربي، لأنه كان من مصلحة الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية ان توجه هذه الجماعات أعمالها الارهابية ضد دولها بقتل المدنيين وتخريب المنشآت الكبرى وهذا ما حصل مع الجزائر التي حصد الارهاب فيها أكثر من مئة الف قتيل معظمهم من المدنيين العزل. والملاحظ ان ما حصده الارهاب في الجزائر يتجاوز اضعاف مع حصده الارهاب في الولايات المتحدة الامريكية. وقد بذلت مصر والجزائر مجهودات دبلوماسية مكثفة لاقناع المجتمع الدولي، خصوصا الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية، بضرورة التنسيق للقضاء على هذه الجماعات المتواجد معظمها في الدول الغربية والولايات المتحدة الامريكية، الا ان هذه الاخيرة كانت تغمض بصرها لأن الموضوع يخدم مصالحها الاستراتيجية، خاصة في وقت يجري فيه الترتيب لنظام دولي جديد لا تريد ان تتواجد فيه دول عربية لها وزن ثقيل كمصر والجزائر. فما يهم الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة هو اضعاف الدول العربية من الداخل ولا يهمها مصالح هذه الدول، ولكنها تقيم الدنيا اذا ما تعرضت مصالحها وأمنها للتهديد، وهذا ما حصل بعد الحادي عشر من سبتمبر حيث أعلنت الحرب على الارهاب.لكن الحقيقة غير ذلك وهي ان الولايات المتحدة اعلنت الحرب ليس على الارهاب ولكن على الجماعات التي تهدد مصالحها مباشرة. اما الجماعات الارهابية التي تهدد الدول العربية فلا تدرج ضمن القائمة التي وضعتها الولايات المتحدة الامريكية، فالى حد الآن لم نسمع ان الولايات المتحدة الامريكية القت القبض على عناصر ارهابية قامت بعمليات قتل في هذه الدولة العربية او تلك، ولم نسمع من اي مسئول امريكي او اوروبي ان امريكا مستعدة لتسليم العناصر الارهابية الى دولها بغرض محاكمتها، بل ما نسمعه باستمرار هو مطالبة المسئولين الامريكيين للدول العربية بملاحقة العناصر المشتبه بضلوعها في التفجيرات الاخيرة وبضرورة تسليمها للقضاء الأمريكي وكأن الدول العربية لا يوجد بها محاكم!! فلماذا لا تتعامل الولايات المتحدة الامريكية مع ظاهرة الارهاب كظاهرة دولية يتوجب تنسيق جهود جميع دول العالم لمحاربتها، باعتبارها ظاهرة تهدد الامن الدولي وليس الأمن الامريكي فقط؟؟ فأكثر من مرة صرح الرئيس المصري حسني مبارك بأنه طالب الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية بعقد مؤتمر دولي يناقش هذه الظاهرة ويتم فيها اتخاذ سياسة موحدة تتعاطى معها، الا ان جهود الرئيس المصري لم تنجح لسبب واحد هو تخوف الادارة الامريكية من احتمال ان تطالب معظم دول العالم ـ في حالة انعقاد المؤتمر الدولي حول الارهاب ـ بايقاف العمليات الارهابية التي تقوم بها اسرائيل في حق الشعب الفلسطيني، فالولايات المتحدة الامريكية تريد ان تصور العرب والمسلمين على أنهم يعارضون التوجه الدولي الجديد الذي بدأت تطغى عليه النزعة الليبرالية الامريكية، وتريد ان تقول ان العرب والمسلمين يعرقلون جهود امريكا في احلال السلم الدولي وبالأخص في منطقة الشرق الاوسط، بدليل انها راحت تصف الاحزاب والمنظمات الفلسطينية بالارهابية لأن هذه التنظيمات اختارت المقاومة كخيار استراتيجي تسترد به حقوقها فأصبحت توصف حسب التصور الامريكي الجديد، الذي تريد ان تفرضه على دول العالم، بالارهاب. لقد كان على الولايات المتحدة اذا كانت جادة في معالجة ظاهرة الارهاب ان تتعاون مع المجتمع الدولي من خلال تبني سياسة موحدة لمعالجة هذه الظاهرة. وان تعتبر الارهاب ظاهرة دولية وليست ظاهرة تلتصق بالعرب والمسلمين لأن الحقيقة غير ذلك، فلا يمكن ولا يعقل ان نعتبر من يقاوم من اجل حريته ومن يدافع عن ارضه انه ارهابي، واذا كانت الولايات المتحدة تتحجج بأن المقاومة الفلسطينية توجه قنابلها ورشاشاتها ضد المدنيين الاسرائيليين، فان اسرائيل هي الدولة الارهابية التي اغتصبت الارض وقامت بمجازر لا تزال وصمة عار في جبينها، بل ان الولايات المتحدة الامريكية ذاتها قامت بمجازر رهيبة في تاريخها بدافع المصلحة الامريكية، فكم قتلت من الآلاف في هيروشيما وناجازاكي، أليس هؤلاء مدنيون عزلا؟! لماذا لم تحرك الولايات المتحدة الامريكية ساكنا عند حصد الارهاب بالجزائر الآلاف من المدنيين، ولا يزال الشعب الجزائري يعاني من هذه الظاهرة؟ لماذا لم تتحرك الولايات المتحدة الامريكية عندما كانت مصر تقاوم العناصر الارهابية لوحدها؟ ألم يكن هؤلاء الارهابيون يزرعون الموت في مصر والجزائر انطلاقا من العواصم الاوروبية والامريكية التي وجدوا فيها ملاذهم ويحتمون خلف ما يسمى بقانون حقوق الانسان؟ لماذا ترفض العواصم الأوروبية والأمريكية تسليم هؤلاء الارهابيون الى دولهم لمحاكمتهم على جرائمهم الارهابية الشنيعة؟ ان الدول العربية هي اول دول العالم التي عانت من الارهاب قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت نبهت الولايات المتحدة الامريكية والدول الأوروبية لخطورة ايواء هذه العناصر التي تتستر خلف ستار الاسلام الذي هو بريء منهم. من هنا على الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية ان تتعامل بمنطق واحد مع ظاهرة الارهاب ولا تستثني اي جماعة أو دولة تتخذ الارهاب وليس المقاومة كسلاح في سياستها، هذا اذا كانت الولايات المتحدة فعلاً تريد السلام (العادل) للعالم. ـ كاتب جزائري