كنت اقف في الطابق العلوي للحرم المكي الشريف أرقب جموع المعتمرين وهم يطوفون بالبيت العتيق، وبينما كنت مستغرقا في تأملاتي، بدأ حديث بين شابين يقفان الى جواري فقال أحدهما للآخر: انظر الى هذا المنظر البديع والمفرح لهذه الجموع الغفيرة من المسلمين وهي تطوف بالبيت العتيق وقد جاؤوا من كل مكان يلتمسون رضا ربهم وعفوه ومغفرته، فتحملوا المشاق وتكبدوا المتاعب حتى جاؤوا الى هنا، وهذا المنظر يبعث الأمل في النفس ويضفي على الروح البهجة والثقة في أن نصر الله قادم للمسلمين. فجأة قطع صاحبه عليه حواره وقال له: ما كل هذا يا سيدي؟ على رسلك.. على رسلك.. عن أي نصر تتحدث وعن أي امل تتكلم؟ ان هذا الجمع الذي تراه ليس سوى غثاء كغثاء السيل، ووهم مثل زبد البحر، انظر اليهم جيدا وتأمل فيهم، وراقب ما يقوم به غالبيتهم من تدافع وتزاحم واخطاء لا نهاية لها، يقومون بذلك وهم في اطهر بقعة وفي اقرب موقع من الله، وكل منهم من المفترض انه جاء يطلب العفو والمغفرة من ربه لا ان يحمل مزيدا من الذنوب في مكان كما يتضاعف فيه الاجر يتضاعف فيه الذنب. ان الامم لا تقاس باعدادها وانما بنوعية ابنائها ومدى قدرتهم على ان يكونوا مثلا وقدوة، وانني على العكس منك تماما ارى ان صورة هؤلاء المسلمين وممارساتهم تبين ان المسافة بيننا وبين النصر بعيدة تماما، واذا كنت تجد في نفسك البهجة فأنا أجد في نفسي ألما وغصة. هزني حديث الشابين واحيا في نفسي كثيرا من الآلام التي يلحظها كل من يؤدي مناسك الحج أو العمرة لا سيما في مواسم الزحام، فأعداد المسلمين التي تؤم البيت الحرام غفيرة وتصل ليلة السابع والعشرين من رمضان او التاسع والعشرين منه وهي ليلة ختم القرآن الى ما يزيد على مليوني مسلم في صعيد واحد وفي وقت واحد، ولكن تبقى سلوكيات هؤلاء وممارساتهم وهم داخل البيت الحرام وحوله هي مثار التأمل والتدبر والتفكير. فمئات الآلاف من المسلمين يأتون وكل منهم حمل معه طبائعه الشخصية والنفسية وموروثات بيئته التي جاء منها، والتي من المفترض ان يتخلى عن مثالبها ويتمسك بفضائلها خلال أيام وجوده في جوار البيت العتيق، الا ان ما نراه من ممارسات داخل الحرم من كثير من المسلمين يدعو للأسف الى حد الاسى والحزن. فعلى سبيل المثال لا الحصر ومما عايشته انا ان احد رفاقي قد دفعه احد المعتمرين فكسر اصبع في قدمه دون ان يلتفت اليه او يرى ما أصابه، وخرج صاحبنا من المسعى الى المستشفى وقضى أيام عمرته وهو يتألم، ورغم حرصي انا على تلافي مواطن الزحام واماكنه الا اني لم اسلم من لكزة من هذا او ضربة من ذاك ودفع من آخر يدعي ان من وراءه يدفعه، وصديق آخر لي نال ضربة على صدره ظل يتألم منها عدة ايام. ومن السهل ان ترى معتمر يتشاتم مع آخر او حتى يتضارب معه أو يدعو عليه، واذكر اني ليلة السابع والعشرين سمعت رجلا يدعو على آخر لمجرد ان الآخر في الزحام احتك به دون قصد، فامتعضت نفسي لساعات طويلة بل بقيت منقبضا حتى اليوم التالي من جراء ما سمعت ورأيت. واذا كان الاسلام يوصي بتسامح النفوس والايثار والحب الا اني وجدت الانانية والبغضاء تغلب على كثير من الناس، واذا كان الاسلام دين النظام والنظافة، فان الفوضى وعدم النظافة ـ للاسف ـ كانت هي الغالبة في سلوكيات معظم الناس، ورغم ان كثير ممن آلمهم هذا الحال مثلي أعادوا هذه الصورة الى الواقع المأساوي للأمة في واقعها السياسي على وجه الخصوص، الا ان الصورة في نهايتها تدعو الى النفور والى القنوط لدى ضعاف النفوس، حتى اني سمعت داخل الحرم أحد المسلمين يقول «والله لو أعرف دينا آخر افضل من هذا الدين لاتبعته»! لكن ما آلمني أكثر ما رواه لي احد العاملين في شركة النفط والغاز القطرية من ان احد الامريكيين العاملين معهم قد اسلم في العام الماضي وذهب لاداء فريضة الحج بعد اسلامه، فلما وجد صورة المسلمين في الحج من الفوضى والانانية وعدم النظافة وعدم النظام والتدافع وغيره، ارتد مرة اخرى عن الاسلام وعاد الى دينه. ان هذه الصورة ـ للأسف ـ ليست الا الواقع الحقيقي الذي يهرب منه البعض فيما يدس آخرون عيونهم في التراب حتى لا يرونها ولن ينصلح حال المسلمين بالدعاء والنزوح بأعداد غفيرة لاداء مناسك الحج والعمرة فيما النفوس مريضة وفارغة، ولكن لن يصلحها الا صلاح النفوس أولا والخروج من دائرة الوهم.. وهم ان الله يمكن ان ينصر أحدا لا يأخذ بأسباب النصر حتى لو كان مسلما فالكون له سنن ومن لا يأخذ بالسنن يظل في ذيل القافلة حتى لو تعلق بأستار الكعبة. ـ كاتب واعلامي مصري