في الوقت الذي كان وزراء الخارجية العرب يستجمعون قواهم ليوجهوا نداءهم الجماعي» للولايات المتحدة الامريكية بأن تمارس دور الوسيط النزيه فتعيد النظر في انحيازها للسياسة الاسرائيلية المتطرفة، وتتخذ الخطوات اللازمة لتنفيذ ما سبق ان طرحه وزير خارجيتها كولن باول من اطار عام للتسوية .. في نفس الوقت كانت كوندوليزا رايس مستشارة الامن القومي الامريكي تؤكد هذا الانحياز الامريكي لاسرائيل وتعلن الترابط الوثيق بين امن واستقرار الولايات المتحدة وأمن اسرائيل الذي يمثل الاولوية العظمى لسياسة واشنطن في المنطقة!. وفي نفس الوقت الذي كان شارون يرد على نداء عرفات بوقف العمليات العسكرية ضد الاحتلال الاسرائيلي بصفاقة لا حدود لها فيعلن انه لم يسمع عرفات لانه كان مشغولا بما هو اهم، ثم يأمر الطائرات والدبابات الامريكية في الجيش الاسرائيلي بمواصلة ضرب المدنيين وقتل الاطفال الفلسطينيين، في نفس الوقت كان وزير خارجية امريكا المعتدل كولن باول يطلب من دول اوروبا عدم دعوة عرفات لزيارتها لاحكام الحصار حوله و «ابقاء قدميه في النار» حتى يرضخ لشروط امريكا، ويعلن الاستسلام لارادة شارون وحكومة مجرمي الحرب في اسرائيل.! وزراؤنا العرب يعرفون قبل غيرهم ان حكاية الوسيط النزيه لم تكن يوما الا اكذوبة كبرى ابتلعها العرب لانهم كانوا عاجزين عن فعل شيء آخر، وهكذا اخترعوا لنا اولا ان 99% من اوراق اللعبة في يد امريكا .. وهو قول يعني الاقرار الكامل بالعجز وتسليما بأننا لا نملك من امر حاضرنا او مستقبلنا الا ما تتعطف به علينا ولية النعم امريكا. وبعدها اصبحت الولايات المتحدة التي تملك كل اوراق اللعبة هي الوسيط النزيه بين اسرائيل والعرب. ومع ان واشنطن لم تخف يوما انحيازها الكامل لاسرائيل، ولم تتوقف عن الاعلان ان ما يهمها من شئون المنطقة هو أمن اسرائيل وبترول العرب الذي ينبغي ان يصل لها ولحلفائها في امان وبأرخص الاسعار، فان الرهان العربي الرسمي ظل قائما على ان العرب يمكن ان يحتلوا موقع اسرائيل في السياسة الامريكية، وان يوما سيجيء تكتشف فيه واشنطن ان حلفاءنا واصدقاءها الحقيقيين هم في العواصم العربية وليس في تل أبيب التي تعيش عالة عليها وتحملها الكثير .. من مساعدات عسكرية واقتصادية ودعم سياسي وعداء مستمر في الشارع العربي. حدث هذا قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، واستفحل الامر بالطبع بعد انفراد امريكا بزعامة العالم، وتزداد الوطأة اليوم في ظل الاحداث الدرامية التي تتوالى منذ 11 سبتمبر ـ والتي يبدو ان العرب والمسلمين سيدفعون ثمنها غاليا. وعندما جاءت الادارة الامريكية الجديدة للحكم بانتخاب بوش الابن رئيسا في ظروف مثيرة، هللت العواصم العربية لاسباب عديدة: منها ان ادارة كلينتون الرئيس الامريكي السابق كانت صهيونية الهوى وفي عهده سقطت الخارجية الامريكية تحت السيطرة التامة للدبلوماسية والخبراء اليهود، واصبح كل الطاقم المهتم بشئون المنطقة من هؤلاء الحاخامات الذين حكموا سياسة امريكا الخارجية طوال الفترة التي رأست فيها مادلين اولبرايت دبلوماسية القوة الاعظم. ومن اسباب التهليل العربي ان المعركة الانتخابية على الرئاسة الامريكية اثبتت ان الغالبية العظمى من يهود امريكا اعطت اصواتها لصالح جور نائب كلينتون الذي نافس بوش على الرئاسة وخسر بفارق بضع مئات من الاصوات. ومن اسباب التهليل العربي ان الحزب الجمهوري (حزب بوش) كان تاريخيا اقل انحيازا لاسرائيل كما انه يرتبط بعلاقات وثيقة بالشركات البترولية الامريكية الكبيرة التي ترتبط بدورها بعلاقات عربية واسعة. وكان البعض يدلل على ذلك كله بالموقف الشهير للرئيس الامريكي الاسبق دوايت ايزنهاور الذي عارض العدوان الثلاثي على مصر عام 56 واجبر فرنسا وبريطانيا واسرائيل على الانسحاب، وينسى هؤلاء ان الظروف كانت مختلفة. فالرجل الذي كان يحكم امريكا يومها كان بطلا قوميا قاد المعركة النهائية في اوروبا لهزيمة هتلر. والعدوان الثلاثي الذي وقع على مصر اضر بمصالح امريكا حين غطى على انباء غزو السوفييت للمجر التي كانت تشهد ثورة شعبية تم اخمادها بقسوة ثم ان هزيمة العدوان على مصر كانت في تقدير امريكا اعلانا بنهاية النفوذ البريطاني والفرنسي في المنطقة وتسليما بأن الولايات المتحدة وحدها هي المؤهلة لوراثة الامبراطوريتين البائدتين وبسط نفوذها على هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة. وهي الرؤية التي تعطلت سنوات طويلة بفضل حركة القومية العربية بزعامة جمال عبد الناصر التي قلبت الاوضاع ورفضت هيمنة امريكا واستغلت الموقف الدولي والحرب الباردة لتقود حركة عالمية ترفض التبعية وتصر على الاستقلال والحرية. وهكذا جاءت الادارة الامريكية الجديدة وسط توقعات عربية متفائلة بموقف اكثر اتزانا، وساعد على ذلك ان مجيء هذه الادارة تواكب مع مجيء شارون لحكم اسرائيل بكل ما يمثله من تطرف وعدوانية تقود المنطقة بلا شك الى انفجار كبير، وهو امر توقع العرب ان يكون رصيدا لهم يدفع الادارة الامريكية الجديدة الى ان تكون حازمة في التعامل معه، بل وتوقع البعض ان تسعى لاسقاطه لكي توفر المناخ الملائم لاستئناف عملية التسوية السياسية من خلال حكومة أكثر اعتدالا. ورغم ان حاخامات الخارجية الأمريكية تركوا مواقعهم مع قدوم الادارة الجديدة، الا ان الاوهام العربية بتغيير حقيقي في السياسة الامريكية لم يتحقق، ورغم ما قيل عن اعتدال وزير الخارجية الجديد كولن باول.. الا ان وزارة الدفاع امتلأت بالخفافيش الصهيونية لتشكل مع مستشارة الامن القومي كوندرليزارايس تحالفا متشددا في الانحياز لاسرائيل، يويده كونجرس فيه من الاعضاء من يفوقون في تعصبهم غلاة اليمين الاسرائيلي انفسهم. وتظلل الجميع سياسة لرئيس امريكي يتحرك منذ البداية من أجل الا يكون رئيسا لفترة واحدة مثل ابيه الذي تعلم الدرس جيدا ومنحه لابنه في صورة نصيحة موجزة لا تعادي اللوبي الصهيوني، لقد اغضبتهم فخسرت الانتخابات رغم ما حققته لأمريكا من انتصارات في حرب الخليج الثانية! ولم يكن كل ذلك مشكلة فقد تعودنا عليه لعشرات السنين ـ ولكن المشكلة الحقيقية كانت عند العرب الذين وضعوا كل أوراقهم في سلة امريكا، وراهنوا على أن بوش الابن سيقدم للفلسطينيين شيئا يستطيعون قبوله، وبالتالي يرفع الضغط الذي يمارسه الرأي العام العربي على النظم العربية لكي تتحرك من حالة الشلل التي تعاني منها. وبدلا من ذلك اعطى البيت الابيض تأييده الكامل لشارون لكي يسحق الانتفاضة ويعيد الهدوء ويفرض الحل الاسرائيلي على الفلسطينيين والعرب. وفشلت كل الجهود العربية في تعديل الموقف الامريكي حتى صرخ وزير الخارجية السعودي بأن ما تفعله امريكا في هذه القضية يحيل العاقل مجنونا. وتجيء احداث 11 سبتمبر، وينقلب العالم رأسا على عقب، ومع انضمام الدول العربية الى التحالف الذي اقامته امريكا لما اسمته الحرب ضد الارهاب ... انتعشت الآمال مرة اخرى في ان تكون المكافأة هي موقف اكثر توازنا في الصراع العربي ـ الاسرائيلي لكن السياسة لامريكية كان لها رأي آخر ومع الوعد باستئناف العملية السلمية التي كانت الادارة الامريكية قد تخلت عنها وحديث بوش وباول عن رؤية امريكة جديدة، كان هناك الوعد الذي قطعته واشنطن لشارون، اذا بقي ساكنا اثناء حربها في افغانستان ان ينال مكافأته وان تكون مجزية. وهكذا ما ان لاحت بوادر انتهاء المعركة في افغانستان حتى كان شارون يخوض حربا شاملة ضد الشعب الفلسطيني بتأييد امريكي كامل، وبهدف تفكيك السلطة الفلسطينية وتدمير المؤسسات وفرض الاستسلام الكامل للشروط الاسرائيلية. واعطت واشنطن لشارون كل ماطلبه، وتوالت التصريحات الامريكية الرسمية التي تجعل الضحايا الفلسطينيين هم المتهمون، وتضع منظمات المقاومة الفلسطينية ضمن منظمات الارهاب، وتمنح اسرائيل كل الحق في البطش بالشعب الفلسطيني، واستخدام الاسلحة الامريكية في عمليات الابادة والتدمير على ارض فلسطين وتقرر ان قتل اسرائيل للاطفال الابرياء هو وفق الرؤية الامريكية عمل من اعمال الدفاع عن النفس. وتبلغ المأساة ذروتها باستخدام امريكا لحق الفيتو لمنع مجلس الامن من ارسال مراقبين دوليين لحماية الشعب الفلسطيني من حرب الابادة التي يتعرض لها ولا تأبه امريكا لعزلتها حين تلجأ الدول العربية للجمعية العامة للامم المتحدة لاستصدار قرار بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم واقامة دولتهم المستقلة، فيصدر القرار بتأييد 161 دولة واعتراض اسرائيل وامريكا ودولة اسمها جزر مارشال! وفي ظل هذه الظروف يجتمع وزراء الخارجية العرب فلا يصدر عن اجتماعهم ادانة صريحة للموقف الامريكي، ويكتفون بمناشدة الولايات المتحدة ان تمارس دور الوسيط النزيه وان تعيد النظر في انحيازها لاسرائيل، وهو امر مقبول لو كانت المناشدة وحدها تكفي لتغيير سياسات الدول الكبرى، ولو كانت السياسات تتغير دون تغيير في موازين القوى او استخدام للاوراق التي يملكها العرب في صراع المصير الذي يواجهونه. ان واشنطن تراهن على حالة العجز التي يمر بها النظام العربي، والتي ازدادت تفاقما بعد احداث 11 سبتمبر، حين وضع الغرب الامة العربية كلها في قفص الاتهام بسبب ارهاب تعلم امريكا جيدا انها صانعته الاولى والمسئولة الكبرى عن وجوده ودعمه قبل ان ينقلب عليها، فماذا ستفعل الانظمة العربية كي تخرج من حالة العجز التي تعيشها؟ وكيف تستعيد الاوراق التي فقدتها في الصراع على مستقبل المنطقة؟ ومتى تستعيد الارادة السياسية الغائبة فتدافع عن مصالحها وتقاتل من اجل الا تتحول الى امة من الهنود الحمر، لا مستقبل لها ولا قدرة عندها على التصدي للتحديات التي تواجهها. وواشنطن تراهن على حالة الصمت التي تسود في الشارع العربي، والتي نتجت عن ربع قرن من الخيبات المتتالية، ومن اهدار لامكانيات النهضة، وغياب للحرية والعدل، وتغليب المصالح الشخصية على مصالح الوطن والمصالح القطرية على مصالح الأمة.. والنتيجة فقدان الثقة في انجاز شيء بعد ان تحطمت الاحلام العربية حلما بعد الآخر. وواشنطن تراهن على ان الوحدة الوطنية لكل القوى الفلسطينية ستنفصم عراها، وتستغل كل الظروف للضغط على القيادة الفلسطينية لكي تخوض في المنطقة الحرام.. منطقة الحرب الأهلية والاقتتال بين الاشقاء.. ولا شك ان الشعب الفلسطيني يجني الآن الثمار المرة للادارة السيئة لمسيرة نضاله في الفترة الاخيرة، ولضياع فرصة توحيد كل الفصائل التي وفرتها الانتفاضة واهدرتها القيادات، ولسيادة رؤية ترى ان الاستقلال يمكن ان يأتي بتقديم التنازلات حتى ترضى امريكا فتفرض على اسرائيل التسوية العادلة.. وهو منطق لم تتوقف الادارة الامريكية نفسها عن كشف زيفه بالاعلان عن التحالف الابدي مع اسرائيل والتأكيد على ان امن اسرائيل وتقوقها هما الهدف الذي تسعى اليه واشنطن وتعتبرهما وحدة صمام الأمن للحفاظ على مصالحها في المنطقة. والمطلوب الآن ـ وقبل أي شيء آخر ـ ايقاف التدهور في العلاقات بين الفصائل الوطنية داخل الارض المحتلة، وافهام الجميع انهم لا يملكون ترف الاقتتال وأرضهم محتلة ووطنهم ضائع، والتأكيد على عبثية هذا الموقف الذي يطالب فيه عرفات المحاصر بأن يفرض الحصار على باقي منظمات المقاومة، وتطالب السلطة التي يجري تدمير مؤسساتها بأن تقوم هي بتدمير المؤسسات التابعة للتنظيمات الوطنية للمقاومة! ان توحيد القرار الفلسطيني كان ـ وما زال ـ مسألة ضرورية، ولكن هذا التوحيد لابد ان يبنى على قاعدة المشاركة، وهو ما تحقق في تجمع كل الفصائل في قيادة واحدة للانتفاضة، ثم قامت العراقيل أمام الدعوة لتحويل هذه الوحدة التي تحققت الى جبهة تتولى قيادة المسيرة الفلسطينية، ولو تحقق ذلك لما وجدنا انفسنا اليوم في هذا الوضع الخطر الذي تعيشه الحركة الوطنية الفلسطينية، والذي يتم فيه التسليم بالمطالب الامريكية ـ الاسرائيلية دون مقابل، وتتحول فيه منظمات المقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال الى منظمات ارهابية، وتتوقف الانتفاضة بلا ثمن ويصبح كل المطروح ان نستعيد الاوضاع التي كانت قبل اندلاع الانتفاضة، وان يعم الهدوء وتنال السلطة شهادة حسن السير والسلوك من شارون فيسمح لها بالجلوس على مائدة التفاوض التي اذا بدأت فلا أحد يعرف متى تنتهي ولا ما الذي يرغم شارون على تعديل مواقفه ما دام القرار الامريكي معه، والسلاح الفلسطيني قد توقف عن العمل، والنظام العربي مازال يأمل في أن تكون امريكا وسيطا نزيها، والشارع العربي يخيم عليه صمت القبور، والبطش الاسرائيلي مستمر، والوسيط النزيه يكشف كل يوم انه ليس وسيطا وليس نزيها، ونحن ـ والحمد لله ـ لم نعد نشجب، بل اصبحنا نناشد.. وهذا التطور ـ لو تعلمون ـ عظيم! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية