أقول بعد الاتكال على الله الذي أسأله أن يلطف بنا إن كل ما يرد في هذه الاستراحة وما لم يرد فيها إنما يعود حمده لمن يراه محموداً ويقع وزره لمن يرى غير ذلك على الفقيه الحنبلي شمس الدين أبي عبدالله بن بكر الزرعي الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية ذلك أن كل ما فيها منقول نصاً من كتابه «أخبار النساء» الذي يقول في أوله: «هذا كتاب ذكرت فيه أخبار النساء فأقول ومن الله القبول» كأني به قد علم أن النساء لن يقبلن بكثير مما سيقول فتمنى من الله القبول. وابن قيم الجوزية لمن لا يعرفه فقيه حنبلي من أشهر فقهاء الحنابلة، ولد في دمشق وتتلمذ على الامام ابن تيمية وأصبح من أحظى مريديه، يقول بقوله ويردد أفكاره وكلماته حتى أنه سجن معه في قلعة دمشق سنة 1326م واحتمل العذاب والاهانة من أجله. له من المصنفات ما يربو على الثلاثين منها ما هو مطبوع ومنها ما لم يزل مخطوطا. ثم أقول للأمانة إنه إذا كان لي من جهد فيها فهو لا يعدو الاختيار الذي أرجو أن يكون منزهاً عن الهوى ـ وما أظنني سأعذر ـ وبعد ذلك النقل من الأبواب التسعة التي صنف فيها المؤلف كتابه.. وهاكم بعض حكاياتها: ـ قال معاوية بن أبي سفيان لصعصعة «وهو من المشاهير في علم أنساب العرب»: أي النساء أحب اليك؟ قال: المواتية لك فيما تهوى. قال: فأيهن أبغض اليك؟ قال: أبعدهن لما ترضى. قال معاوية: هذا النقد العاجل. فقال صعصعة: بالميزان العادل. ـ سئل أعرابي عن النساء، وكان ذا هم بهن، فقال: أفضل النساء أطولهن إذا قامت، وأعظمهن إذا قعدت، وأصدقهن إذا قالت، التي إذا غضبت حلمت، وإذا ضحكت تبسمت، وإذا صنعت شيئاً جوّدت، التي تطيع زوجها، وتلزم بيتها، العزيزة في قومها، الذليلة في نفسها، الولود، التي كل امرها محمود. ـ طلق رجل امرأته، فقالت له: أبعد صحبة خمسين سنة؟ قال: ما لك عندنا ذنب غيره. ـ قال الهيثم بن عدي: دخلت ليلى بنت عبدالله الأخيلية على الحجاج وعنده وجوه الناس وأشرافهم. فاستأذنته في الانشاد، فأذن لها، فأنشدته قصيدة مدحته بها. فلما فرغت من انشادها، قال الحجاج لجلسائه: أتدرون من هذه الجارية؟ قالوا: لا نعلم، أصلح الله الامير، ولكننا لم نر امرأة أكمل منها كمالاً، ولا أجمل منها جمالاً، ولا أطلق منها لساناً، ولا أبين بياناً، فمن هي؟ قال: هذه هي ليلى الاخيلية صاحبة توبة بن الحمير الذي يقول فيها: نأتْك بليلى دارُها لا تزورها وشط نواها واستمر مريرها ثم قال لها: يا ليلى، ما الذي رابه من سفورك حيث يقول: وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها قالت: أصلح الله الامير، لم يرني قط إلاّ متبرقعة، وكان أرسل اليّ رسولاً أنه يلم بنا، ففطن الحي لرسوله، فأعدوا له وكمنوا، وفطنت لذلك، فلم يلبث ان جاء، فألقيت برقعي وسفرت له، فلما رأى ذلك أنكره وعرف السر، فلم يزد أن سلم عليّ وسأل عن حالي وانصرف راجعاً. فقال الحجاج لها: لله درك فهل كانت بينكما ريبة؟ قالت: لا والذي اسأله أن يصلحك، إلى أن قال مرة قولاً ظننت أنه خضع لبعض الأمر، فقلت له مسرعة هذا الشعر، وانشأت وهي تقول: وذي حاجة قلنا له لا تبح بها فليس إليها ما حييت سبيل لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه وأنت لأخرى صاحب وخليل فلا، والذي اسأله صلاحك، ما كلمني بشيء بعدها استربته حتى فرق الدهر بيني وبينه. ـ ولما قتلت بنو أسد بن خزيمة حجر بن الحارث أبا امريء القيس دار في احياء العرب فلم ير منهم من يجب، فمضى حتى قدم على هرقل ملك الروم، فأقام عنده شهراً فأكرمه ونادمه، واعجبه كماله وعقله. ثم بعث معه ستمئة من ابناء الملوك ومن تبعهم. ونظرت اليه ابنة الملك فعشقته وأرسلت اليه ان يلقاها قبل خروجه. فجعل يعتذر لها ويعللها ولا يرضى ان يخون اباها فيها مع ما فعله معه. وخرج منصرفاً الى بلده، فقالت بنت هرقل لأبيها: ما صنعت بنفسك، وجّهت ابناء ملوك الروم مع ابن ملك العرب؟ لو قد استمكن مما اراد لغزاك ونزع ملكك.. فوجه اليه الملك بحلة منسوجة بالذهب مسمومة، فلما لبسها تنفط جلده، وتساقط لحمه، فنظر الى جبل فسأل عنه. فقيل له اسمه عسيب، فقال: أجارتنا إن المزار قريب وإني مقيم ما أقام عسيب اجارتنا إنا غريبان هاهنا وكل غريب للغريب نسيب وقيل انه قال هذا لأنه رأى قبراً عند هذا الجبل فسأل عنه فأخبر انه قبر امرأة من بنات ملوك الروم، فمات هناك. ـ قال اسحق بن بهيل: رأيت رجلاً في طريق مكة وعديله في المحمل جارية قد شد عينيها وكشف سائر وجهها فقلت له في ذلك فقال: إنما اخاف عينيها لا عيون الناس! ـ حكى الهيثم بن عدي، عن الكلبي قال: كان مُلْك النعمان بن المنذر أربعين سنة لم ير منه في ملكه سقطة غير هذه. وذلك انه ركب يوماً فنظر الى امرأة خارجة من الكنيسة فأعجبه جمالها وحسنها وهيئتها فقال: عليّ بعدي بن زيد. وكان كاتبه وخاصته، فقال له: يا عدي، قد رأيت امرأة لئن لم اظفر بها انه هو الموت. فلابد ان تتلطف في الجمع بيني وبينها. قال: ومن هي؟ قال: قد سألت عنها فقيل لي امرأة حكم بن عوف، رجل من اشراف اهل الحيرة. قال: فهل أعلمت بذلك أحداً؟ قال: لا. قال: فاكتمه فإذا أصبحت فجد بكل كرامة لنزيلك، يريد حكم بن عوف، فلما أذن للناس بدأوا به وأكرمه وأجلسه معه على سريره. فأعجب الناس حاله وتحدثوا به. فلما أمسى فأذن للناس بدأ به فأكرمه وأجلسه معه وكساه وجمّله. ففعل به ذلك أياماً. ثم قال له عدي: أيها الملك عندك عشر نسوة فطلّق أقلهن عندك منزلة ثم قل له فليتزوجها. ففعل. فلما دخل عليه قال له: يا حكم إني قد طلقت فلانة لك فتزوجها. فقال حكم لعدي: ما صنع الملك بأحد ما صنع بي ولا أدري كيف أكافئه؟ فقال له عدي: طلق امرأتك كما طلق امرأته! ففعل، وحظي عدي بها عند الملك. وعلم الرجل أنه مكر به في امرأته. وفيها يقول بعض أهل الحيرة: ما في البرية من أنثى تعادلها إلا التي أخذ النعمان من حكم «هكذا كانت الملوك تحتال كي تظفر بذوات الحسن منهن، فما بالكم بالرعية؟!». ويختم ابن قيم الجوزية كتابه بفصل في «خَلْق النساء» معدداً أوصافهن التي نختار منها: «إذا كانت لم يركب بعض لحمها ببعض فهي: مبتلة. فإذا كانت لطيفة البطن فهي: خمصانة. فإذا كانت لطيفة الكشحين فهي: هضيم. فإذا كانت لطيفة الخصر مع امتداد القامة فهي: ممشوقة. فإذا كانت طويلة العنق في اعتدال وحسن فهي: عطبول. فإذا كانت عظيمة العجيزة فهي: رداح. فإذا كانت سمينة ممتلئة الذراعين والساقين فهي: خدلجة. فإذا كانت سمينة ترتج من سمنها فهي: مرمادة. فإذا كانت ترعد من الرطوبة والغضاضة فهي: برهرهة». وفي الكتاب من الاوصاف والحكايات ما تحول دون الاقتباس منه قوانين المطبوعات والنشر التي يبدو أنها كانت على أيامهم أرحب، ومقاص الرقباء التي كانت أقل حدة. هذا والله ـ الذي نسأله أن يغفر لنا ـ أعلم.