بعيداً عن دقات طبول الحرب التي تصم الآذان وبمعزل عن القنابل ذكيها وغبيها، وفي قاعة مخملية احتضنت ضيوفها في هدوء تلقى الصامت الأكبر والساكت الأعظم جائزة نوبل للسلام. يا لها من سخرية! فعلى صدى هدير آلة الحرب التي تبدو وكأنها انزلقت من على قمة جبل شاهق أو كأنها مدفوعة من قوة غاشمة لن يقوى أحد على ايقافها تسلم كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة جائزة نوبل للسلام، والتي حصل عليها مناصفة مع المنظمة التي يقبع صامتاً على مقعدها الرئيس. فاز الرجل ومنظمته بينما العالم ـ وكما يقر هو بلسانه ـ تملؤه الأسلحة ويضج بالحروب وينضح بالعدوان، عالم لا يقيم نصباً تذكارية إلا للحرب بانتصاراتها وهزائمها بينما لا كرامة فيه لسلام أو وئام. فاز عنان بينما هو يؤثر الصمت دائماً، ولا يتكلم إلا استثناء، نعم قالوا السكوت من ذهب، لكن الكلام يكون أحياناً من الألماس. ولو كان الصمت مدعاة للفوز بجائزة نوبل للسلام لكن أحق من يفوز بها هو أبو الهول.. هو الساكت أبداً، وسكوته هذا لو وزن بالذهب لكان جمع له من الكنوز ما ان مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة. لقد تحمل أبو الهول أقسى الظروف، غمرته الرمال ولم ينفضها عن نفسه، طالت الاعتداءات رمز كبريائه وأنفه فلم يدفع عن نفسه الأذى، فقد تحطم أنفه وسقطت لحيته وهو صامت صامد. رأى أبو الهول بعينيه من موقعه المتميز على هضبة الهرم ما لا يحصى من غزوات، وما لا يعد من هجمات واعتداءات وسمع بأذنيه طبول الحرب وأزيز الطائرات وضربات القنابل فلم يتحرك أو يحرك ساكناً، ألا يستحق إذن ان يتصدر قائمة المرشحين للفوز بجائزة نوبل للسلام. على أية حال فقد ذهبت الجائزة للأمم المتحدة وأمينها العام بينما اخفاقات المنظمة تتزايد وهزائمها تتوالى في شتى بقاع العالم، وخاصة بين ظهرانينا وفي قلب أمتنا التي اثخنتها الجراح ولا من مداوٍ. فقدت الأمم اللامتحدة مصداقيتها وباتت ترزح تحت ارادة القوة الوحيدة المهيمنة على العالم.. الولايات المتحدة، والتي لا تسمح لأحد الآن ان يختلف معها أو يأتي ببند ليس على أجندتها. كذلك يطرح الاختيار ألف سؤال وسؤال حول موضوعية اختيار الفائزين بجوائز نوبل في الفروع المختلفة، وما اختيار فيديا نايبول الكاتب الهندي الأصل البريطاني المنشأ بجائزة نوبل للأدب ببعيد خاصة بعدما دفع كثيرون بأن دوافع لجنة الاختيار كانت سياسية وليست أدبية، وان القرار استهدف بالأساس خدمة الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد ما تعتبره ارهاباً عالمياً.