على الضفة الاخرى، اقصى يمين هذه الصفحة من جريدتنا «البيان» يكتب الزميل مرعي الحليان يومياً آخر ما عنده من كلام، لكنه على ضفة اخرى من ضفاف الابداع الفني وقف متألقا على مدى أيام العيد من خلال مسرحية «باب البراحة» فأبدع مرتين عندما كتب النص ببراعة، وعندما قام بدور «بن علي» مع زملائه الممثلين: أحمد الانصاري، وابراهيم سالم وعبدالله صالح وفاطمة الحوسني. فلهم تحية خاصة، وللعمل بشكل عام فكرة ونصا واداء واخراجاً. ولقد كان عرضا ممتعا بالفعل، ذهبت لحضوره لانني دعيت اليه من قبل الزملاء في مسرح دبي، ولانني تابعت تألق العمل وحصوله على العديد من الجوائز ضمن ايام الشارقة، ومهرجان الدوحة، ولانني قرأت عنه في الكثير من صفحات الثقافة ودوريات الادب وآخرها مجلة الجيل التي تصدر في لندن. الذين كتبوا عن «باب البراحة» قالوا بأن النص كتب على طريقة «صموئيل بيكيت» استاذ مدرسة العبث في المسرح، كما ان الذين منحوا جوائز التمثيل قد ترددوا كثيرا في منح جائزة افضل ممثل، فكان ان منحت للممثلين الاربعة معاً، وبرغم ذلك فإن قيمة العمل ليست في جوائزه وتألقه فقط، وانما في الفكرة الكبيرة التي يناقشها بطريقته (العبثية) المسرحية، وفي الاسئلة (المغلقة) التي يطرحها إلى الدرجة التي قد تقود إلى الموت، كما كان مصير «بن علي» في ختام المسرحية!! لأول وهلة ينفجر في داخلك هذا السؤال وأنت واقف على الحد الفاصل بين قمة الضحك وقمة الوجع: من أين جاء كل هذا الوجع؟ وهل هو وجع جيل بعينه، ام هو قضية مجتمع بأكمله يريد العمل ان يصرخ فيهم بأن ينتبهوا وان لا يتركوا الابواب مفتوحة، ثم يهزك ذلك المسن على خشبة المسرح حينما يصرخ باسقاط وتداخل مقصودين جداً: «المحتلة (يقصد فلسطين) ما ضاعت الا لما فتحوا ابوابها!!». وواضح جداً ان المفتاح الضائع الذي كانت تبحث عنه الشابة الممرضة ما هو الا رمز صارخ لاشياء كثيرة ضاعت ولابواب كثيرة اما انها بيعت او تم تأجيرها لكل الغرباء (الذين لوثوا تراب البراحة الذي كان لشدة بياضه وطهارته يحسبه الاطفال سكرا فيلتهمونه) في اشارة واضحة إلى التغريب وضياع الهوية، والانسلاخ ما بين الجيل المسن (الكبار في المركز) وجيل الشباب (الممرضة الشابة) التي حبست معهم وكأنها تحاكم نيابة عن جيل بأكمله، بينما تصر هي على فلسفة جيلها التي تلخصها بقولها: «لقد عشتم زمنكم وتمتعتم ببراحتكم، فدعونا نعيش زمننا ونصنع براحتنا كما نشاء»! عبث المسرحية لا يأتي من الفكرة، فهذه وجع الكثيرين الذين يعيشون ألم فقدان الهوية، العبث تجسده نهاية المسرحية وحواراتها وعلاقات الممثلين فيها، وتطور الحدث، فالنهاية لا تحسم القضية ولا تقدم حلاً، ربما لانه لا حل، وعلاقات الممثلين وتطور الحدث لا يقود إلى موقف منطقي، حيث لا منطق لكل الحاصل، والكائن، ومن هنا يموت (بن علي) ويجن الجميع وربما تموت الممرضة او تفقد الامل في الخروج! ربان السفينة ورجل الظل البسيط والتاجر وصاحب الاحلام القومية، نماذج من الحياة جمعهم كاتب النص في غرفة مغلقة بلا أمل في اي شيء، وقد تبادلوا بينهم الكثير من التهم. ربما كان اكثرها ألماً قول احدهم للجميع: «كلكم بعتوا البراحة، بعتوها الفوت بويزتين» بينما يدافع التاجر بأن ذلك كان حتميا من اجل التطور والتحضر! من الصعب الحديث في هذه العجالة عن كل ما طرحته المسرحية، وعن الاسقاطات الكثيرة التي احتوتها وعن الرثاءات اليائسة التي امتلأت بها وخاصة رثاء القومية العربية، وفترة النضالات الكبرى، والرومانسية القديمة، والاخلاقيات والمباديء و..الخ. لكننا في النهاية لا نستطيع سوى ان نشد على يد الاخوة في مسرح دبي على ما قدموه من عمل يستحق الاشادة والتشجيع والمتابعة. aishasultan@hotmail.com