أليس عجيبا ان تندفع الجماهير الى الشوارع لنهب متاجر الاغذية من فرط الجوع المزمن في بلد يقع جغرافيا داخل الحديقة الخلفية للولايات المتحدة .. اغنى دولة في التاريخ؟ ما جرى ويجري في الارجنتين ـ احدى دول امريكا اللاتينية التي تعتبر «رعايا» للولايات المتحدة لمدى قرون بحكم الوشائج الجغرافية والاقتصادية والسياسية ـ يكشف عمليا فضيحة العصر الاخلاقية المسماة «ازمة الديون الخارجية للدول النامية» المسئولة عنها بالدرجة الاولى المؤسسات الرأسمالية الامريكية، خاصة النظام المصرفي. ان المظاهرات العنيفة التي اندلعت في العاصمة الارجنتينية بيونس ايرس بترتيب من النقابات العمالية والاتحادات المهنية تعكس حقيقة ان الارجنتين وصلت الى حافة الافلاس الشامل مع تسارع ايقاع تدهور اقتصادي خلال السنوات العشر الاخيرة، فما هو سبب هذا التدهور؟ السبب ببساطة هو ان عائد الانتاج السنوي للاقتصاد الوطني الذي هو حصيلة عرق وكدح الملايين من قطاعات المجتمع المنتجة يذهب جله الى خزائن البنوك الامريكية الكبرى كفوائد على الديون الارجنتينية. المديونية المتراكمة للارجنتين تبلغ الآن 132 مليار دولار، وما تضطر الحكومة الارجنتينية الى دفعه عاما بعد عام الى البنوك والمؤسسات المالية الامريكية ومعها صندوق النقد الدولي الذي تسيطر الولايات المتحدة على تسييره وادارة سياساته لا يقل عن اربعة مليارات من الدولارات. والعنصر اللااخلاقي هنا يتمثل في ان اكثر من نصف رقم المديونية ليس سوى فوائد ربوية مركبة. وبالطبع ظلت الحكومات الارجنتينية المتعاقبة تعجز وتزداد عجزا على الوفاء بمتطلبات العيش الضروري للمجتمع بكل طبقاته وفئاته، ومع فرض المزيد تلو المزيد من الضرائب المباشرة وغير المباشرة لموازنة الميزانية العامة وشح ارصدة النقد الاجنبي اخذت ظاهرة الغلاء تتفاقم يوما بعد يوم مع تدهور القوة الشرائية للعملة الوطنية الآن، وبعد المعاناة الطويلة المتفاقمة، تفجر الشارع الارجنتيني وابرز ما يجتذب الانتباه في المظاهرات العنيفة اندفاع المتظاهرين الى دكاكين الاغذية ونهب محتوياتها. والشرارة التي اشعلت الشارع هي ان الاقتصاد الوطني بلغ النقطة الاخيرة في حافة الهاوية، فقد افلست الارجنتين الى درجة انها صارت الآن عاجزة عن دفع قسط الفوائد السنوي الى الدائنين الامريكيين. ولتفادي الخيار الأسوأ اضطرت الحكومة الارجنتينية الى فرض المزيد من اجراءات التقشف مما دفع بالاتحادات والنقابات الى الخروج الى الشارع، فما هو ذلك الخيار الأسوأ؟ على مستوى الافراد العاديين يفرض الدائنون على شخص مدين عجز عن مواصلة سداد قرض مصرفي الى بيع ممتلكاته. وهذا بالضبط هو الخيار الأسوأ الذي يواجه الارجنتين: ان تضطر الى بيع بعض مؤسسات القطاع العام الرابحة ـ كمؤسسة الاتصالات مثلا، او الخطوط الجوية الوطنية الى كبار الدائنين الامريكيين ولا يخفى بالطبع ان هذا هو الهدف النهائي للعبة الديون الخارجية. لكن يبقى سؤال: اذا كانت الارجنتين، مثل البرازيل والمكسيك وشيلي وسائر بلدان امريكا الجنوبية، تعتبر احد اعضاء الاسرة الامريكية فلماذا لا ينقذها رب الاسرة الغني من ورطتها؟ لماذا لا تدفع الخزينة الامريكية ديون الارجنتين لرفع المعاناة المزمنة عن الشعب الارجنتيني الشقيق؟ كيف ينتشر الجوع حتى يضطر الناس الى مداهمة محلات السوبرماركت في بلد يقع على مرمى حجر من قوة عظمى ترصد ما يقارب مئة مليار دولار «لمكافحة الارهاب» في بلدان اخرى تقع على بعد آلاف الاميال؟