دخل الوضع الفلسطيني مرحلة صعبة وحالكة، فقد تغيرت الموازين الدولية والاقليمية منذ الحادي عشر من سبتمبر، وتغيرت النظرة الامريكية تجاه منطقة الشرق الاوسط، وفرض الانتصار العسكري الامريكي السريع في افغانستان ابعاده على جدول الاعمال. في كل هذا تغير الوضع بطريقة فرضت ميزانا جديدا للعلاقات بين القضية الفلسطينية والمنطقة العربية، وبين القضية الفلسطينية والوضع الدولي، وبين اجنحة التنظيمات الفلسطينية التي تمثلها حماس والجهاد الاسلامي وبين السلطة الفلسطينية. الوضع الجديد بطبيعة الحال لا يستثني احدا، فهو يعكس نفسه في كل بقاع العالم العربي، وينعكس على اوضاع القوى المعارضة والقوى الحكومية والقوى الاسلامية وغيرها. فعندما تقع ازمة دولية بحجم الازمة الراهنة يصعب الافلات منها دون تداعيات ونتائج وردود فعل وثمن. الاختيار الآن في الساحة الفلسطينية هو بين وضعين صعبين: نهاية حقبة السلطة الفلسطينية كما عرفناها منذ اوسلو، او ايقاف العمليات الانتحارية والعنف باتجاه اسرائيل. هذا الخيار ما كان ليكون لولا الظروف الدولية الجديدة الناشئة عن العمليات الانتحارية في الولايات المتحدة وعن ردة الفعل الامريكية العسكرية والسياسية وتحقيقها لانتصار سريع في افغانستان، اضافة لنجاح اسرائيل في اقناع الادارة الامريكية بمنطقها في مواجهة حماس والجهاد الاسلامي وقد ساهمت اخر مجموعة من العمليات التي قامت بها حماس بتقوية شارون الذي كان في زيارة للولايات المتحدة بينما كان المبعوث الامريكي في فلسطين. في هذا تبين على الاقل في هذه المرحلة ان حماس والجهاد الاسلامي تسعيان لاحباط الدور الامريكي والمهمة الامريكية الجديدة. هذا بالتحديد اغضب الادارة الامريكية وجعلها تقدم لشارون ضوءا اخضر يتعلق بإحكام الوضع على السلطة الفلسطينية. ويعتقد الكثير من المراقبين بأن هذا الوضع قد يكون مقدمة لحرب اهلية فلسطينية؟ ولكن هذه التحاليل لا تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الوضع الفلسطيني الذي يحتمل افاق التعامل مع هذا الوضع دون الدخول بمواجهة عسكرية داخلية مفتوحة. بل يمكن القول انه بإمكان الفلسطينيين تجنب الحرب الاهلية والمواجهة المفتوحة. بمعنى اخر قد ينجح الرئيس الفلسطيني في تجميع الصفوف الفلسطينية لايقاف البعد العنيف في الانتفاضة الفلسطينية، وقد ينجح في اغلاق المكاتب واعتقال بعض الناشطين الذين يهددون امن السلطة الفلسطينية، الا انه بنفس الوقت بإمكانه ان يكسب تفهم وتعاون اطراف رئيسية في حركة حماس، خاصة اذا رأت بأن الرأي العام الفلسطيني يميل لصالح ايقاف العنف في هذه المرحلة، لتفويت الفرصة على مخطط شارون المعادي للطموحات الوطنية الفلسطينية. في هذه المرحلة لم يعد طريق العمليات الاستشهادية، ولأسباب مرتبطة بميزان القوى والثمن الكبير الذي يدفعه المجتمع الفلسطيني، طريقا يؤدي لتحرير الارض. ان الامل الوحيد بانسحاب الاحتلال الاسرائيلي اصبح اكثر ارتباطا بتنوع وسائل النضال الفلسطينية، خاصة على الصعيد الشعبي والسياسي والاعلامي اضافة للعودة للمفاوضات. ان اسرائيل تعي جيدا بأن العنف الفلسطيني بإمكانه ان يعود للواجهة في مراحل اخرى في حالة عدم تحقيق العدالة وزوال الاحتلال الاسرائيلي. بمعنى آخر بإمكان الرئيس عرفات ان يحقق مكاسب رئيسية في مفاوضاته مع اسرائيل في المرحلة المقبلة مستغلا كل ما وقع وكل ما حصل في المرحلة السابقة من قتال وانتفاضة. التفاوض الاسرائيلي الفلسطيني المقبل سوف يتأثر بنتائج ما وقع بعد احداث سبتمبر، ولكنه سوف يتأثر ايضا بحدة العنف الذي شهدته اسرائيل بسبب انتفاضة الاقصى وبدرجة التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني في محاولاته فرض الانسحاب على اسرائيل. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت