هناك حلقة مفقودة دائماً بين مسودات البيانات السياسية، والبيانات التي تقر في نهاية المطاف وتظهر على العالم بعد التوقيع عليها، والسياسة العربية عودتنا على الفارق الشاسع دوماً بين مسودة البيان والبيان الذي يُقر ويخرج في النهاية، والحلقة التي تفتقد في نهاية المطاف يبدو أن أسبابها التردد والخشية والنظرة التي ما زالت تفترض أن كل ما حولنا طيّب واننا فقط نؤخذ بالغضب عند الكلام. هل يبدو الوضع حقيقة كذلك؟ الإجابة قد تجبر السائل أحياناً على الشك والتردد أيضاً فيما إذا كان سيأخذ بأسباب التردد. في مسودة اجتماع وزراء الخارجية العرب امس كانت هناك نقاط حاسمة وبنود لبيان صلب يشعرك من الوهلة الاولى ان الوزراء قد قرروا حسم أمرهم مع شارون ومن يقف الى صفه وهو يعمل على تصفية النضال الفلسطيني وإقناع العالم بأنه الارهاب بعينه. أقرت الأصوات المجتمعة على طاولة وزراء الخارجية انها لا تقبل الفيتو الأمريكي المانع لإرسال قوات مراقبة ولا تعترف به، وأقرت الاصوات انها لا تقبل بشرعية السلطة الفلسطينية إلا في اطارها الحالي وبرئيسها الحالي، ونادت أصوات بأن يقاطع العرب شارون إذا ما قاطع هذا الأخير ياسر عرفات، وشددت الاصوات على ضرورة ان تعدل واشنطن من سياستها المنحازة لاسرائيل. وأصرت الاصوات على ان يفهم العالم ان النضال الفلسطيني ليس إرهاباً وعلى أمريكا ان تمسحه من لائحتها، وشدد المجتمعون على ضرورة قطع العلاقات الدبلوماسية بالحكومة الاسرائيلية اذا ما استمرت في اجرامها الحالي ولم تخضع لقرارات الشرعية الدولية. وطالبت الاصوات كالمعتاد بزيادة الدعم المالي كالعادة. والكلام قوي وجميل كما هو دائما في الحالات التي يتأجج فيها الوضع الفلسطيني وتسير المزيد من جنازات شعبه الى المقابر، والكلام جميل وقوي كلما شعرنا اننا بحاجة الى موقف عربي ذي صوت واحد يقول موقفنا الشجاع من الظلم والظلام، والكلام يدفع الى الحماس العربي في طريق الجهاد المقدس الشريف عن المقدسات والاراضي العربية المحتلة، والكلام يزيح الغمة ويبدد حالة اليأس وحالة الشعور بالانهزام والضعف، والكلام يبعث على التفاؤل بأن الاصرار العربي بإمكانه ان يشكل ضغطا على الاطراف المعنية بالسلام في الشرق الاوسط. لكن هذه الروح المشتعلة بالرجولة والشجاعة عادة ما تكون واضحة وبينة في مسودات البيانات، وكثير من المسودات السابقة حملت نقاطا اكثر سخونة ومصيرية طالما تمناها المواطن العربي من مسئوليه. لكن تبقى مسودة البيانات شيئاً وما ينتج عن تنقيحها وتشذيبها وتهذيبها شيئاً آخر. ولا نعرف لماذا تدخل المسودات غرف التبريد دائما؟! halyan@albayan.co.ae