يبحث الناس عمّا يقيهم الخوف من المجهول.. ومنذ أول الخليقة يرغبون في طمأنينة ما، فلا يجدونها إلا في ترجّيات حميمة من الغيب لا تلبث ان تذوي وتضمحل. بعث الله إليهم رسلاً وأنبياء وقدّيسين، فصاروا يلتجئون إلى الخالق جلّ جلاله طلباً للأمان، متى مسّهم البلاء والمرض والقنوط. انهم ضعفاء أمام المشيئة الإلهية وأحكامها.. منهم من يرتضي بعد ان تأتيه الهداية على شكل نور يقذفه الله في قلبه، وبينهم من يظل حبيس الحجب الشيطانية والوساوس ينوء تحت ظلماتها ووحشتها. هؤلاء الحيارى بين اليأس والرجاء متى سُدّت نوافذ الارض في وجوههم، تطلعوا إلى السماء لتفتح أبوابها لهم، غير ان الأسوياء من الناس يحتاجون إلى من يدلّهم على الطريق، فالمسافة شاسعة عموماً لكي يبلغوا حدود الله..إذن فلابد من الأخذ بناصيتهم إلى رحاب الطمأنينة والشفاء. دائماً شكل الايمان طريقاً للأمان وبساطة الرضا، وذهب الناس إليه من طرق لا عدّ لها، فكانت أمكنة العبادة واسطة بلوغ النقطة العليا حيث الله. وإذا كان لكل دين مسالكه وطرائقه ومقاماته وقدّيسوه، فلقد ابتنى الناس لأنفسهم مطارح للطمأنينة ونيل الشفاعة، فأحاطوا قبور أوليائهم بهالة من القدسية، وكانت لديهم أمكنة كثيرة للعبادة الخالصة، أما الطمأنينة فإن سبل الوصول إليها دونها طقوس واعتقادات. أذكر من صباي الريفي جدتي وهي تؤوب إلى بيتها الطيني القديم، كانت تتمتم الآيات القرآنية بصوت خفيض ليهرب الجان وتولّي الأرواح الشريرة أدبارها. أما والدة صديقي فكانت تقوم هي الأخرى بما تفعله جدّتي، ولكنها تضيف كتابة التعاويذ وصناعة الأحجبة المتنوّعة التي بينها ما يطرد الشر والحسد ويُبعد العدو ومنها ما يجلب الحظ والحبيب. وكثيرون من أترابي قدّمت أمهاتهم النذور لكي يوفّقهم الله في خطواتهم المقبلة، أو توسّلاً للشفاء، لكن التعاويذ تركت تأثيراً بالغاً في تصرفات البعض، فأحدهم لا يشرب القهوة في بيت ما لخوفه من وضع تعويذة محبة داخل الفنجان، وآخر لا يتناول الشاي من يد ابنه أو ابنته تفادياً لتأثير زوجته التي هجرها منذ سنوات لكي لا يعود فيقع بحبّها مجدداً. وثمة فارق كبير بين تمتمات جدّتي الطاهرة، ونذور أمهاتنا المؤمنات وبين التعاويذ التي غالباً ما تكون نتاجاً لضعف بالإيمان والثقة بالنفس، حيث في الحالات الأولى يتجلّى العمق الايماني والخضوع لمشيئة الخالق، فيما الحالة الأخرى تقتصر على ربط المصير بارادة بشرية ضعيفة. وإن كان لكل ايمانه، فمن غير المنطق والحكمة ان تتحول الروحانيات بمعناها العميق إلى مظاهر تبتعد عن جوهر الدين والعبادة، والأهم ان تتعمق هذه الروحانيات في القلوب والعقول قبل ان نترجمها إلى مجرد طقوس مختلطة الألوان ليس إلا. mail: ismail_haidar@yahoo.com